متابعة – مجد عبود:
تواصلت حركة انتقال الكفاءات السورية إلى الخارج مع إعلان نادي غاز الشمال العراقي تعاقده رسمياً مع المدرب السوري رأفت محمد لقيادة الفريق الأول في منافسات دوري نجوم العراق، في خطوة تعكس استمرار الطلب على المدربين واللاعبين السوريين في الدوريات العربية، وتعيد طرح تساؤلات حول مستقبل الدوري السوري، ومدى تأثير هذه الهجرة على مستواه الفني، وما إذا كانت ستتواصل خلال الفترة المقبلة أم بدأت تقترب من نهايتها.
ويعد رأفت محمد واحداً من أربعة مدربين فقط أكملوا الموسم الماضي مع أنديتهم في الدوري السوري قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة خارج البلاد. ويملك المدرب السوري سجلاً تدريبياً مميزاً؛ بعدما أشرف على الجيش وتشرين، قبل أن يحقق نجاحات بارزة مع العهد اللبناني، إذ توج بلقب الدوري اللبناني موسم 2022-2023، وأحرز كأس التحدي وغرب آسيا موسم 2023-2024، كما بلغ نهائي كأس الاتحاد الآسيوي وكأس لبنان، إضافة إلى تجربة تدريبية مع الفيصلي الأردني.
ورحيل رأفت محمد لم يكن حالة منفردة، بل يأتي ضمن سلسلة انتقالات شهدتها الكرة السورية خلال الأشهر الأخيرة؛ إذ انتقل المهاجم ياسين سامية من الكرامة إلى الميناء العراقي، كما انضم خالد كردغلي من حمص الفداء إلى دهوك العراقي، وانتقل ريتشموند من دمشق الأهلي إلى الدوري السعودي الدرجة الثانية ، في مؤشر على اتساع حضور الأسماء السورية، وحتى المحترفين الذين يستقدمهم الدوري المحلي، في البطولات العربية.
لكن الصورة لا تقتصر على تصدير المواهب فقط، فالدوري السوري أثبت أيضاً أنه قادر على استقطاب لاعبين أجانب وإعادة تقديمهم بصورة مميزة؛ ويبرز في هذا الإطار النيجيري جونيور أجاي، الذي انضم إلى الدوري السوري دون أن يكون مرتبطاً بنادٍ ونجح في استعادة جزء كبير من مستواه، وكذلك الكاميروني إيمانويل ماهوب الذي قدم مستوى مبهراً تمكن من خلاله من قيادة أهلي حلب لإحراز الدوري ونيل لقب هداف الدوري السوري الممتاز بعد وصوله إلى الملاعب السورية. هذه التجارب تؤكد أن الدوري يمتلك قيمة فنية قادرة على تطوير اللاعبين وإعادتهم إلى الواجهة، وهو ما يمنحه مقومات ليكون بيئة جاذبة إذا توافرت الظروف المناسبة.
ورغم الإيجابيات التي تحملها الاحترافات الخارجية، من اكتساب الخبرات ورفع القيمة السوقية للاعبين والمدربين وتحسين أوضاعهم المالية، فإن استمرار خروج أبرز الأسماء يفرض تحديات حقيقية على المنافسة المحلية، إذ تخسر الأندية عناصرها الأكثر تأثيراً بشكل متكرر، مما ينعكس على جودة المباريات، والاستقرار الفني، وجاذبية البطولة.
كما يطرح انتقال رأفت محمد تساؤلات جديدة حول مستقبل المدربين الثلاثة الآخرين الذين أكملوا الموسم الماضي، وهم أحمد هواش، وعلي الشمالي، ومصطفى المخزوم، في ظل استمرار اهتمام أندية خارجية بالمدرسة التدريبية السورية، وهو ما قد يعني استمرار موجة الرحيل خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، فإن الحل لا يكمن في الحد من انتقال اللاعبين أو المدربين إلى الخارج، لأن الاحتراف يمثل خطوة طبيعية في تطور أي لاعب أو مدرب، وإنما في بناء دوري محلي قادر على المنافسة والاحتفاظ بجزء من نجومه، مع استقطاب أسماء عربية وأجنبية تضيف قيمة فنية حقيقية.
ويتطلب ذلك تعزيز الاستقرار المالي والإداري للأندية، وتطوير البنية التحتية والملاعب، ورفع مستوى التسويق والاستثمار والرعاية، إضافة إلى تقديم عقود احترافية أكثر تنافسية، بما يجعل الدوري السوري خياراً جاذباً للاعبين، وليس مجرد محطة مؤقتة قبل الانتقال إلى دوريات أخرى.
وبين تصدير الكفاءات واستقطاب المواهب، يقف الدوري السوري أمام فرصة لإعادة رسم هويته؛ فنجاح اللاعبين السوريين في الخارج يعكس جودة المنتج المحلي، كما أن تألق لاعبين أجانب كانوا من دون أندية يثبت أن البطولة تمتلك مقومات فنية حقيقية، ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه المقومات إلى مشروع احترافي متكامل، يجعل الدوري السوري قادراً على تصدير النجوم، وفي الوقت نفسه استقطاب نجوم جدد والحفاظ على تنافسيته عاماً بعد آخر.