متابعة_ محمد رجوب:
لم يكن قرار إدارة ريال مدريد بإقالة تشابي ألونسو في يناير الماضي مجرد تغيير فني عابر، بل كان لحظة مفصلية أعادت تشكيل ملامح الموسم بالكامل. كانت الخسارة في نهائي كأس السوبر الإسباني أمام برشلونة هي الشرارة، لكن ما تلاها كان أعمق بكثير من مجرد نتيجة مباراة.
مع ألونسو، كان الفريق يبدو منضبطاً وصارماً، يسير وفق نظام تكتيكي واضح المعالم. وأرقامه لم تكن كارثية كما صوّرها البعض؛ فقد حقق 20 انتصاراً في 28 مباراة، مع حضور قوي في كأس الملك، وموقع متقدم بين الثمانية الكبار في دوري أبطال أوروبا، ومنافسة مباشرة على صدارة “الليغا”. وبنسبة خسارة لم تتجاوز 17.86%، كان الفريق يعيش استقراراً نسبياً في النتائج، حتى وإن شاب الأداء بعض التذبذب.
لكن كرة القدم في “مدريد” لا تُقاس بالأرقام وحدها؛ فقد خلق أسلوب ألونسو الصارم، الذي قدم المجموعة على حساب الأسماء اللامعة، توتراً مكتوماً داخل غرفة الملابس. ولما لم تكن العلاقة بين الانضباط والنجومية متوازنة، اختارت الإدارة الرهان على شخصية أكثر هدوءاً وقرباً من اللاعبين: ألفارو أربيلوا.
بقدوم أربيلوا، هدأت العواصف الداخلية؛ فعادت لغة الحوار وتراجع الاحتقان، وبدت الأجواء أكثر سلاسة.
غير أن هذا الهدوء الإداري لم يتحول إلى صلابة فنية؛ ففي 12 مباراة فقط تحت قيادته، خسر الفريق 4 مرات، لترتفع نسبة الهزائم إلى نحو 33%. وجاء الخروج الصادم من كأس الملك أمام “ألباسيتي” ليزيد من منسوب القلق، خاصة مع التراجع أوروبياً إلى مرحلة الملحق، وتلقي خسارتين متتاليتين محلياً أمام أوساسونا وخيتافي، وهي سلسلة تعثرات لم يعرفها النادي منذ سنوات.
المشكلة اليوم لا تتعلق بنتيجة عابرة، بل بإحساس عام يرافق الفريق؛ فريال مدريد هذا الموسم يبدو بلا الشغف الذي لطالما ميزه. تلك “الروح” التي اعتادت العودة في الدقائق الأخيرة، والإصرار الذي كان يحول المستحيل إلى واقع، يبدو أنهما تواريا تماماً. حتى الانتصارات لم تعد تمنح الطمأنينة؛ إذ تشعر أن الفوز هش وقابل للانكسار في أي لحظة.
في خضم هذا الجدل، عاد اسم كارلو أنشيلوتي إلى الواجهة؛ المدرب الإيطالي الذي وُصف طويلاً بأنه “ملك غرفة الملابس”، وكان يجيد المعادلة الصعبة: انضباط دون صدام، وحرية دون فوضى. في عهده، لم يكن الفريق يفوز فحسب، بل كان ينتصر بأسلوب ممتع ومثير، وغالباً في اللحظات القاتلة.
اليوم، يقف ريال مدريد أمام سؤال يتجاوز الأسماء: هل ما يحدث مجرد كبوة جواد اعتاد النهوض سريعاً؟ أم أن الفريق دخل نفقاً مظلماً يحتاج إلى ما هو أكثر من تغيير المدرب؟ بين مشروع أربيلوا الذي يحتاج إلى وقت، والحنين إلى خبرة أنشيلوتي المجربة، يبقى الثابت أن “الميرينغي” لا يبحث عن مدرب فحسب.. بل يبحث عن هويته وروحه المفقودة.