الطليعة.. إعصار العاصي الذي اختار الاعتدال

متابعة حسن الطويل:

​في كل موسم، يطل الطليعة على الدوري السوري الممتاز بوجه مألوف: لا هو بالذي يهدد الصدارة، ولا هو بالذي يخشى الهبوط. فريقٌ يحتل منتصف الجدول بإصرار، وكأن الوسط أصبح هويته، لا محطته. وفي موسم 2025-2026، ترجم الفريق هذه الفلسفة بأرقام دقيقة: 12 انتصاراً، 11 تعادلاً، و7 هزائم. أرقام تعكس توازناً مريباً، وحياداً لا يشبه شغف مدينة تعشق البطولات.
​لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا «الأمان» الذي يتمتع به الطليعة كل موسم هو إنجاز، أم أنه سقفٌ اختاره النادي لنفسه؟ الأمان ليس عيباً، لكنه ليس طموحاً أيضاً. والفرق بين الاثنين هو ما يفصل بين نادٍ «موجود» ونادٍ «منافس».
​عشر سنوات في منتصف الجدول.. ليس صدفة
​إذا أردنا فهم الطليعة، فلا يكفي النظر إلى موسم واحد. فالسجل الحديث للفريق يكشف نمطاً ثابتاً: على مدى السنوات العشر الأخيرة، تراوح ترتيب الطليعة في الدوري السوري الممتاز بين المركز الخامس والمركز التاسع فقط. لم يتجاوز الخامس صعوداً، ولم يقترب من العاشر هبوطاً. مركزه «المريح» في منتصف الجدول لم يكن صدفة موسم، بل هوية نادٍ اختار أن يكون آمناً.
​هذا الثبات، رغم أنه يبدو إنجازاً في نادٍ يعاني من مالية متواضعة، إلا أنه يحمل في طياته سؤالاً أعمق: هل الاستقرار في الوسط هو هدف، أم أنه غياب هدف؟
​أرقام البداية.. لا تُطمئن ولا تُقلق
​في الجولة الأولى من موسم 2026-2027، تعادل الطليعة سلبياً مع الشرطة في دمشق.

ثم خسر خارج أرضه أمام الحرية 0-2، قبل أن يكتسح تشرين برباعية نظيفة في 30 تشرين الأول/أكتوبر، بقيادة مدربه ابن النادي ماهر البحري، في مباراة تألق فيها المهاجم الفلسطيني عبد الرحمن وشاح بتسجيله ثلاثة أهداف (هاتريك)، ليكون أول لاعب يوقع على هاتريك في الدوري هذا الموسم، فيما أضاف محمد ثائر درويش الهدف الرابع.

​لكن الفرحة لم تكتمل، الجماهير لم تفرح بالفوز الكبير على تشرين، حتى خسر الفريق على أرضه أمام حمص الفداء 1-3 في المباراة المؤجلة من الجولة الثانية. أربع مباريات: فوز واحد، تعادل واحد، خسارتان.

أربع نقاط من أصل 12 ممكنة. هذا ليس بداية فريق يريد أن يكون «منافساً»، بل بداية فريق يبحث عن نفسه مجدداً في منطقة الوسط.
​لماذا يختار الطليعة الوسط؟
​الإجابة ليست في الملعب فقط. فالنادي، الذي يُعرف بـ«إعصار العاصي»، اختار على ما يبدو أن يكون إعصاراً «معتدلاً»: قوياً بما يكفي لتجنب الهبوط، وضعيفاً بما يكفي لتجنب الضغط. هذا التوازن ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لسنوات من الاستقرار الإداري بلا طموح رياضي، ومن غياب استثمار حقيقي في اللاعبين أو البنية التحتية أو حتى الجماهير.
​والأخطر من ذلك، أن هذا «الأمان» قد يكون مريحاً للإدارة أكثر من الجماهير. فالفريق الذي لا يهبط ولا ينافس، لا يحتاج ميزانيات ضخمة، ولا يحتاج صراعات مع الأندية الكبرى، ولا يحتاج تعاقدات مثيرة. يكفيه أن يبقى في منتصف الجدول، عاماً بعد عام، حتى يصبح الوسط هو السقف الذي لا يجرؤ أحد على تجاوزه.
​لكن جماهير الطليعة لا تطلب المستحيل؛ تطلب ما تقدمه جماهير الأندية الأخرى: فريقاً يقاتل على اللقب، لا فريقاً يقاتل على «البقاء بأمان». مدينة تعشق الرياضة والبطولات، كما تقول، لا تستحق فريقاً يكتفي بأن يكون «ضيفاً دائماً» في منتصف الترتيب.

​الطليعة ليس نادياً فقيراً، ولا نادياً بلا جماهير، ولا نادياً بلا تاريخ. لكنه نادٍ يبدو أنه قرر، في مرحلة ما، أن يرضى بالقليل. وهذا «الرضا» ليس استراتيجية، بل عادة. والعادة، في كرة القدم، أسرع طريق إلى التلاشي.

​ما يحتاجه الطليعة ليس مدرباً جديداً ولا لاعباً جديداً، بل قرار إداري: إما أن تنافس، أو أن تعلن بوضوح أنها تكتفي بالبقاء. فالغموض بين الطموح والتقاعس هو ما يُفقد الجماهير الثقة، ويجعل المدرجات تفرغ تدريجياً، ويحول «إعصار العاصي» إلى مجرد نادٍ في منتصف الجدول.

​الموسم الحالي لا يزال في بدايته. أربع مباريات لا تحكم موسماً، لكنها تكشف اتجاهاً. والاتجاه حتى الآن يقول: الطليعة يسير على الطريق نفسه، نحو وسط الجدول مجدداً.

​الجمعة 6 تشرين الثاني/نوفمبر، يحل الطليعة ضيفاً على النواعير في ديربي حماة، ضمن الجولة الخامسة.

مباراة قد تكون عادية في حسابات النقاط، لكنها استثنائية في حسابات الهوية. فهل يخرج الطليعة من عباءة «فريق الوسط» ويعلن نفسه منافساً؟ أم يبقى الوسط «أمراً واقعاً» كما كان في كل موسم؟
​جماهير الطليعة تنتظر.

والمدينة التي أنجبت أبطالاً لا ترضى بنصف حضور.

المزيد..
آخر الأخبار