متابعة – إبراهيم قماز:
يمكنك أن تشاهد بعض الأهداف دون أن تنظر إليها أصلاً يكفي أن تسمع صوت المعلّق، فتُعيد المشهد كاملاً في رأسك وكأنك تراه من جديد، وهذه هي قوة التعليق الرياضي، حيث تتحوّل الكلمات إلى صورٍ حيّة في ذاكرة الجماهير.
ولا يقل دور المعلّق في عالم كرة القدم أهمية عن دور أفضل لاعب في الفريق، فكم من هدفٍ كان عادياً في تفاصيله، لكنه تحوّل إلى لحظةٍ خالدة بسبب تعليقٍ استثنائي رافقه، حتى أصبح الصوت جزءاً من ذاكرة الهدف نفسه، أحياناً لا نتذكّر اللاعب الذي سجّل الهدف، لكننا نتذكّر الجملة التي قالها المعلّق في تلك اللحظة.
فعندما تسمع: “فما حاجة ما نعرفش أصبحت بأحد المشاهد التمثيلية!”، تعرف فوراً أنك أمام إحدى المعزوفات الشهيرة للمعلّق عصام الشوالي.
وكذلك العبارة التي لا تُنسى للمعلّق خالدي الحدي: “كيف رآه.. كيف شاهده..كيف مرر له”، قد لا يتذكّر البعض صاحب الهدف، لكن الجميع يتذكّر المشهد كاملاً بسبب ذلك الصوت الذي رسم تفاصيله بدقّة.
ولا يمكن أن ننسى اللحظات الأسطورية التي صنعها صوت فارس عوض، الذي حوّل كثيراً من المباريات إلى قصصٍ درامية خالدة، خصوصاً عندما علّق على أهداف النجم الهولندي روبن فان بيرسي، وهو يصرخ بحماسٍ يوازي جمال الأهداف نفسها.
وفي مباريات أخرى، أطلق عباراته التي حفظها الجمهور عن ظهر قلب مثل:
“زيلينسكي يا سلام، نابولي يا سلام!” عند الحديث عن نجم نابولي بيوتر زيلينسكي، قبل أن يمزح لاحقاً مع الجماهير قائلاً: “زيلينسكي اللي قال يا سلام يروح يتعالج”.
كما بقيت صرخته الشهيرة في إحدى مباريات ديربي مدريد عالقة في ذاكرة الجماهير حين قال: “ستخسرون، ستخسرون يا أتلتيكو، كرة القدم هكذا تقول دائماً!”.
ولم تقتصر اللحظات الخالدة على الأهداف فقط، فهناك مشاهد أخرى بقيت حيّة في ذاكرة الجماهير.
ففي إحدى مباريات ريال مدريد أمام أتلتيكو مدريد، عندما قام النجم الأوروغوياني فيديريكو فالفيردي بقطع هجمة خطيرة وتعرّض للطرد، ارتفعت نبرة المعلّق فهد العتيبي ليحوّل اللقطة إلى مشهد درامي كروي لا يُنسى.
أما عصام الشوالي فقد قدّم أيضاً واحدة من أشهر الجمل التي تحوّلت إلى ترند عربي واسع عندما قال: “شيل يا طويل العمر، شيل!”، لتخرج العبارة من حدود مباراةٍ واحدة وتصبح جملة تُقال في كل لحظة انتصار أو إنجاز.
وفي الذاكرة أيضاً تعليق المعلّق يوسف سيف على لقطة الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان حين قال: “والله أعلّق وأصفّق. أعلّق وأصفّق!”، في لحظةٍ عبّرت عن جمال كرة القدم أكثر من أي وصفٍ آخر.
في كرة القدم قد يسجّل اللاعب الهدف، لكن المعلّق هو من يمنحه الخلود، فالكرة تعبر الشباك في ثوانٍ، أما الكلمات فتبقى في الذاكرة سنواتٍ طويلة، ولهذا يمكن القول إن بعض الأهداف لا تُحفظ بالعين فقط، بل تُحفظ بالصوت أيضاً.
فحين يغيب المشهد، يبقى الصوت، وحين يختفي الملعب من الذاكرة، تعود الجملة لتعيد المباراة بأكملها، لذلك، في كل هدفٍ عظيم هناك دائماً بطلان: لاعبٌ هزّ الشباك، ومعلّقٌ هزّ قلوب الجماهير.