«توفي» في السجلات وعاد إلى الملاعب.. تحقيق يكشف تزوير الأعمار في دوري الشباب السوري وعدم صحة رفض لجنة الانضباط لشكوى نادي الوحدة الدمشقي
الموقف الرياضي : باسل الحمدو – مازن الريس
يكشف التحقيق عن حالات تزوير شهدها الموسم الفائت من الدوري السوري الممتاز لفئة الشباب، أسهمت في إقصاء أندية الوحدة والجهاد والشرطة من المنافسة على اللقب، و ثغرات وتناقضات في إحدى قرارات لجنة الانضباط والأخلاق في الاتحاد السوري لكرة القدم، التي رفضت شكوى تقدم بها نادي الوحدة بشأن الاشتباه بتزوير أعمار أحد لاعبي نادي الفرات لفئة الشباب، حيث أظهرت وثائق وبيانات حصلت عليها «الموقف الرياضي» عدم صحة قرار لجنة الإنضباط والأخلاق، ما يفتح تساؤلات حول آلية تدقيق الشكاوى والوثائق المعتمدة من الاتحاد السوري لكرة القدم، والمسؤولية عن الضرر الذي لحق بالأندية المتضررة.
«مات» في السجلات.. وسجل على نادي الوحدة في الملعب بعمر جديد
تغلب نادي الفرات على نادي الوحدة مرتين ضمن منافسات دوري الشباب؛ الأولى في 14 شباط/فبراير 2026 بنتيجة هدفين مقابل هدف، والثانية في 26 نيسان/أبريل، عندما جدد الفرات فوزه بهدفين دون مقابل.
في المباراة الأولى، كتب لاعب الفرات حامد إبراهيم تعليقاً على منشور نادي الوحدة الذي أعلن فيه نتيجة اللقاء، مستخدماً حساباً يحمل اسم «حامد الزكرتي»، وجاء تعليقه: «هاردلك شباب ومبروك للنا».
وتكشف وثائق حصلت عليها «الموقف الرياضي» أن حامد إبراهيم كان من بين اللاعبين الذين تثار حول تسجيلهم شبهة التلاعب بالبيانات، من دون أن يرد اسمه في كتاب الاعتراض الذي أرسله نادي الوحدة إلى اتحاد كرة القدم. غير أن تدقيق قوائم لاعبي دوري الشباب السوري، ومن بينها القائمة الرسمية للاعبي نادي الفرات، أتاح لـ«الموقف الرياضي» تتبع ملف اللاعب وكشف تفاصيل لم تكن واردة في الاعتراض الرسمي.
في مباراة الإياب، سجل محمد أمين السالم الهدف الثاني للفرات. وبعد المباراة، تقدم نادي الوحدة باعتراض رسمي للاشتباه بوجود تلاعب في عمر اللاعب، وذلك بموجب كتابين أرسلهما إلى اتحاد كرة القدم؛ حمل الأول الرقم 192 بتاريخ 12 أيار/مايو 2026، والثاني الرقم 197 بتاريخ 19 أيار/مايو 2026.
إلا أن لجنة الانضباط والأخلاق قررت عدم صحة الاشتباه. ووفق البيان المنشور على الحساب الرسمي لاتحاد كرة القدم في 25 أيار/مايو 2026، “استند القرار إلى صور ومنشورات وبيانات مرتبطة بهوية اللاعب وتاريخ ميلاده ومشاركاته السابقة، إضافة إلى الاطلاع على الوثائق والقيود الرسمية المعتمدة والثابتة في الملف، وردود الجهات المختصة ذات الصلة”.
لكن مراجعة «الموقف الرياضي» لمجموعة من الوثائق الرسمية ومصادر البيانات المفتوحة تقود إلى نتيجة مختلفة، وتثير أسئلة جدية حول الأساس الذي بُني عليه قرار اللجنة ومدى فعالية البحث الذي أجرته.
وتمكنت الموقف الرياضي بالاعتماد على مجموعة من الوثائق الرسمية ومصادر البيانات المفتوحة من إثبات عدم صحة قرار لجنة الإنضباط والتأكد من أن اللاعب محمد أمين السالم تجاوز السن القانوني لفئة الشباب وخضع لعملية تزوير في العمر.
حيث أظهر بحث أجرته الموقف الرياضي في منصة فيفا كونيكت المعتمدة لتسجيل اللاعبين المشاركين في الاندية بشكل رسمي، وجود ملفين شخصيين لنفس اللاعب، أحدهما حمل الاسم محمد امين السالم و المعرف 026414M09 سجل فيه اللاعب بمواليد 01.01.2009 ليشارك الموسم الحالي مع ناديه في فئة الشباب ، وملف آخر قديم يعود للاعب نفسه حمل رمز معرف عضو آخر 015220M05 بمواليده الحقيقية المسجلة بتاريخ 05.02.2005 ، سجل باسم محمد السالم.
الموقف الرياضي تكشف لغز التزوير وطريقة الاحتيال
لكشف هذا اللغز وطريقة الاحتيال التي منحت اللاعب مواليداً جديدة، بحثت الموقف الرياضي في السجلات المدنية السورية ليظهر في بيان القيد العائلي لوالد اللاعب الاسمين، الاول للاعب بمواليده الحقيقية والاسم محمد السالم، وتمت توفيته بتاريخ 01.03.2024 ، وتم تسجيله مرة اخرى بمواليد جديدة بتاريخ 11.06.2024 باسم محمد أمين السالم ليتمكن من اللعب في فئة الشباب.
وللتأكد من أن الاسمين يعودان لنفس الشخص، استعانت الموقف الرياضي بالمصادر المفتوحة، حيث أظهر البحث في صفحات النادي أن حساب النادي نشر صور لنفس اللاعب سابقاً باسم محمد السالم ولاحقاً باسم محمد أمين السالم، واللافت أن النادي نشر صورة لمحمد السالم بتاريخ 17 آذار/ مارس 2024 يتمنى له الشفاء العاجل، أي بعد سبعة عشر يوماً من توفيته في السجلات الرسمية، وصورة أخرى للاعب نفسه بتاريخ 24 شهر نيسان / أبريل ، بعد أكثر من شهر ونصف على تاريخ وفاته في السجلات الرسمية، ويظهر اللاعب أيضاً في صور التشكيلة الرسمية التي شاركت في المباريات بالمواليد الحقيقية والمزورة .
لم يكن محمد السالم اللاعب الوحيد المزور في قائمة نادي الفرات، لكنه كان الأكثر وضوحاً مع وجود اسمه ضمن قوائم النادي في منصة فيفا كونيكت كونه لعب فقط لنادي الفرات، معد التحقيق كشف أن زميله في الفريق، حامد الإبراهيم الذي عاش في مدينة الرقة بعد نزوحه من مدينة البوكمال، استخدم ايضأ مواليداً مزورة ليلعب لشباب نادي الفرات، بعد أن لعب سابقاً بمواليده الحقيقية مع نادي الأمن الداخلي التابع لما يعرف بالإدارة الذاتية سابقاً، أثناء سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مدينة الرقة.
تمكنت الموقف الرياضي من الحصول على نسخة من وثائق اللاعب في نادي الأمن الداخلي في مدينة الرقة ، الصادرة عن لجنة الشباب والرياضة في الرقة، والتي تظهر بأنه لعب بمواليد 2003، واظهر البحث في المصادر المفتوحة صوراً للاعب وهو يلعب لصالح الأمن الداخلي في فئة الشباب عامي -2020 2021 ويحمل الأرقام 12-13-5 خلال المباريات التي شارك فيها خلال الموسمين.
من يقف خلف التزوير في نادي الفرات ؟
في محاولة لتحديد المسؤولية عن عمليات التزوير المفترضة في نادي الفرات، تواصلت صحيفة «الموقف الرياضي» مع أحمد علي الأحمد، نائب رئيس مجلس إدارة النادي خلال الفترة التي يُعتقد أن عمليات التزوير حدثت خلالها. الأحمد نفى، خلال حديثه لمعدّ التحقيق، علمه بأي عمليات تزوير، موضحًا أن إدارة النادي قامت بتسجيل اللاعبين استنادًا إلى الوثائق التي قدمها مدرب الفريق، صالح داوود.
وأشار الأحمد إلى أن اتحاد كرة القدم السوري، بحكم الإجراءات المتبعة، كان من المفترض أن يطّلع على الوثائق الرسمية التي أرسلها النادي عند تسجيل اللاعبين، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يعرف معظم اللاعبين المعنيين بالملف.
الأحمد نفى علمه بأي عمليات تزوير، موضحًا أن إدارة النادي اعتمدت، عند تسجيل اللاعبين، على الوثائق التي قدمها مدرب الفريق، صالح داوود. وأضاف أن الأوراق الرسمية التي أرسلها النادي إلى اتحاد كرة القدم السوري يفترض أنها خضعت للاطلاع والتدقيق من الجهة المعنية بالتسجيل.
في المقابل، رفض المدرب صالح داوود الاتهامات الموجهة إليه، ونفى أي صلة له بعمليات التزوير. وقال إن نائب رئيس مجلس الإدارة كان على معرفة جيدة باللاعبين، وبشكل خاص اللاعب الذي تدور حوله شبهة التزوير، مؤكدًا أن اللاعب كان ضمن صفوف النادي منذ ثلاثة أعوام.
كما شكك داوود في دوافع التحقيق، معتبرًا أن معدّه قد يكون «مدفوعًا من أحد الأطراف»، مستندًا إلى قوله إن عددًا من الأندية شارك، خلال الموسم الماضي، بلاعبين يشتبه في عدم صحة أعمارهم. ولم يتم التدقيق بأعمار لاعبيها كما حصل مع نادي الفرات.
هل أخفقت لجنة الانضباط والأخلاق في كشف التزوير؟
تواصلت «الموقف الرياضي» مع فراس مصطفى، رئيس لجنة الانضباط والأخلاق السابق، والذي اتخذ قرار رفض الاعتراض المقدم من نادي الوحدة. وعلّق مصطفى على المعلومات الواردة في هذا التحقيق، موضحاً أن ما كان موجوداً في الملف «بصورته الراهنة» لم يشكل دليلاً قانونياً مثبتاً وكافياً لإثبات واقعة التزوير أو انتحال الشخصية، أو لهدم حجية الوثائق والقيود الرسمية المعتمدة.
وأضاف مصطفى أنه تم استكمال ما اقتضاه الفصل في القضية من وثائق ومعلومات من نادي الفرات والأطراف ذات الصلة، وفحص الوثائق الرسمية. كما أوضح أن الصور والمنشورات لم تُستبعد لمجرد طبيعتها، وإنما خضعت للتقدير من حيث حجيتها وقوتها الإثباتية.
ورفض مصطفى ما ورد في التحقيق من أن الحادثة «أثرت بشكل كامل على نزاهة دوري كامل وأثرت على نتائج أندية أخرى»، مشيراً إلى أن هذه العبارة «تنتقل من الادعاء إلى النتيجة قبل إثبات الحلقة القانونية الأولى».
تبعات التزوير تتجاوز الدوري المحلي
تفتح قضية أعمار لاعبي الفئات العمرية في سورية باباً أوسع من مجرد الجدل حول أهلية لاعب أو نتيجة مباراة، وتطرح تساؤلات حول العواقب التي يمكن أن تترتب على ثبوت تزوير أعمار اللاعبين، ولا سيما في حال اختيار أحد هؤلاء اللاعبين لتمثيل المنتخبات الوطنية، ثم اكتشاف المخالفة خلال مشاركته في بطولة قارية أو دولية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء استدعاء اللاعب محمد أمين السالم إلى المعسكر الانتقالي لمنتخب الشباب عام 2022، استعداداً للمشاركة في تصفيات كأس آسيا للشباب، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى دقة إجراءات التحقق من أعمار اللاعبين قبل انتقالهم من المنافسات المحلية إلى المنتخبات الوطنية.
ولا تقتصر حساسية هذا الملف على المسابقات المحلية، إذ سبق أن شهدت مشاركات المنتخبات السورية للفئات العمرية، ولا سيما قبل عام 2010، حالات أثارت ملاحظات وشبهات تتعلق بمطابقة أعمار بعض اللاعبين للبيانات واللوائح الرسمية، ووصلت بعض هذه الملفات إلى اللجان المختصة في الاتحادين الآسيوي والدولي، مع صدور إجراءات وعقوبات بحق الاتحاد السوري في بعض الحالات، بحسب القرارات والملفات المرتبطة بكل واقعة.
وتبرز أهمية هذه السوابق في أن أي مخالفة تتعلق بأهلية لاعب في الفئات العمرية، إذا ثبتت على المستوى القاري أو الدولي، قد لا تبقى آثارها محصورة باللاعب أو النادي، وإنما يمكن أن تمتد إلى المنتخب والاتحاد الوطني، وربما إلى نتائج ومشاركات كاملة، وفقاً لطبيعة المخالفة وما تقرره الجهات الانضباطية المختصة.
وبذلك، فإن قضية أعمار اللاعبين في الدوري السوري لا تتعلق فقط بصحة بيانات لاعب أو نتيجة مباراة، بل تفتح سؤالاً أوسع حول مدى صرامة منظومة التحقق من الأعمار، والمسؤولية التي تتحملها الجهات المعنية قبل اعتماد اللاعب وتمثيله لناديه ومنتخب بلاده في البطولات القارية والدولية.