واقع المنشآت الرياضية في درعا.. إرث ثقيل ومحاولات للنهوض 

أحمد الزعبي – مازن الريس – باسل الحمدو

يرصد هذا التقرير واقع المنشآت الرياضية في مدينة درعا، قبل سقوط نظام الأسد وبعد نحو عام ونصف على التحرير، مسلطاً الضوء على حجم الدمار الذي لحق بالبنية الرياضية، مقابل محاولات إعادة التأهيل والتحديات التي تعيقها.

ويستند التقرير إلى وثائق رسمية ومصادر مفتوحة، إضافة إلى شهادات مسؤولين ورياضيين من أبناء المدينة.

مدينة البانوراما الرياضية: ذاكرة المكان وتحديات الحاضر

تعد مدينة البانوراما الرياضية أبرز المنشآت الرياضية في محافظة درعا، إذ تمتد على مساحة تُقدّر بـ142 دونماً، ويُشكل ملعبها الرئيسي، الممتد على مساحة 26 دونماً، القلب النابض للنشاط الرياضي في المدينة، وشاهداً حياً على تاريخها الرياضي.

لطالما ارتبط هذا الملعب بذكريات إيجابية لأجيال من الرياضيين، إلا أنه شهد أيضاً فصولاً مؤلمة خلال سنوات الثورة السورية، حين حوّله النظام السابق إلى ثكنة عسكرية ومراكز احتجاز، فضلًا عن استخدامه كنقطة لقصف ريف مدينة درعا ومخيم درعا ودرعا البلد.

وقبيل سقوط النظام، حصلت الشركة العامة للبناء والتعمير سابقاً، المعروفة باسم “تعمير” حالياً، على مناقصة لإعادة تأهيل الملعب بقيمة بلغت 16 مليار ليرة سورية، إلا أن أعمال التأهيل لم تُستكمل، وتوقفت مع انهيار نظام الأسد، بعد أن رفضت وزارة الرياضة والشباب السورية، صرف المستحقات المالية للشركة، معتبرة أن القيمة التعاقدية تفوق التكلفة الحقيقية للمشروع، ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

وبحسب مناف الجهماني، مدير المنشآت الرياضية في درعا، فإن تحويل أرضية ملعب البانوراما من العشب الطبيعي إلى الصناعي، كان من أبرز الأخطاء التي ارتُكبت خلال فترة صيانتها أيام النظام السابق.

وحدث ذلك بتوصية من أحد أذرع نظام الأسد لغايات شخصية، رغم أن البنية التحتية كانت مجهزة بشبكات تصريف مياه ونظام ري متكامل يعتمد على بئر مياه كافٍ لري كامل المساحة.

وقد تم إلغاء هذه التجهيزات عقب التحويل، الأمر الذي سيتسبب بتكاليف إضافية في حال إعادة تحويله مستقبلاً للعشب الطبيعي مجدداً”.

محاولات إعادة التأهيل: إنجازات جزئية وتعثر في التنفيذ

عقب التحرير وتأسيس وزارة الرياضة والشباب، أُطلقت أعمال تأهيل إسعافية للملعب بهدف تجهيزه لاستضافة مباريات الدوري السوري الممتاز، الذي يشارك فيه نادي الشعلة.

وقد رست مناقصة التأهيل على أحد المتعهدين، بقيمة 1.2 مليار ليرة سورية، وشملت الأعمال ترميم أرضية الملعب، وتجهيز دكة البدلاء، وتركيب الرايات، وتجهيز المرمى، وإزالة الأنقاض، وفقاً لوثائق اطلعت عليها الموقف الرياضي.

إلا أن المشروع واجه عقبات كبيرة عند مرحلة الاستلام، حيث رفضت مديرية الرياضة في درعا استلام الأعمال المنجزة بسبب عدم مطابقتها للمواصفات الفنية المتفق عليها.

كما تعرضت أرضية الملعب لتلف سريع، نتيجة استخدام كميات غير كافية من المواد اللاصقة، ونقص في كميات الرمل والمطاط، إضافة إلى تدني جودة تجهيزات دكة البدلاء مقارنة بالمواصفات المتفق عليها، وظهرت العيوب بشكل واضح بعد هطول الامطار الغزيرة في فصل الشتاء.

وبحسب الجهماني، تنتظر الجهات المعنية تحسن الظروف المناخية لاستئناف الأعمال، مع التأكيد على ضرورة الالتزام الكامل ببنود العقد قبل صرف المستحقات المالية المتبقية للمتعهد”.

خطط مستقبلية

في سياق متصل، جرى تنفيذ أعمال تأهيل للمشالح عبر مبادرة إسعافية من مجلس محافظة درعا، ورغم أهمية المنشأة، لم تشهد المساحات المتبقية من المدينة الرياضية أي مشاريع تطوير أو استثمار يذكر حتى الآن.

ومع بداية عام 2026، قُدمت دراستين هندسيتين إلى وزارة الرياضة والشباب عبر مديرية الرياضة في درعا، بالتعاون مع مديرية الخدمات الفنية:

• المشروع الأول: صيانة شاملة لمرافق الملعب، تشمل المشالح، الحمامات، المدرجات، شبكات المياه والصرف الصحي، شبكة الكهرباء، مظلة الملعب، وصالة الشرف، بتكلفة تُقدّر بنحو 220 ألف دولار أميركي (تاريخ التقديم: 26 كانون الثاني 2026).

• المشروع الثاني: تزويد المدينة الرياضية بنظام طاقة بديلة، بتكلفة تُقدّر بنحو 355 ألف دولار أميركي (التاريخ ذاته).

وبحسب ما صرحت به عدة مصادر رسمية للموقف الرياضي، تلقت هذه المشاريع وعوداً بالتنفيذ خلال عام 2027، دون صدور قرارات نهائية حتى الآن.

ويرى الجهماني أن وزارة الرياضة والشباب أبدت اهتماماً كبيراً بالمنشآت الرياضية في درعا، مع وجود أربعة مشاريع، بعضها تم تنفيذها والبعض الأخر قيد التنفيذ، إلا أن واقع المنشآت المتدني وخروج معظمها عن الخدمة بسبب استخدامها عسكرياً من قبل نظام الأسد، يحتاج إلى الكثير من الوقت والمال لتصبح المنشآت جاهزة للعمل بطاقتها الكاملة.

وبحسب الجهماني، تركز مديرية المنشآت في مشاريعها المستقبلية على الاستفادة من المساحات الفارغة داخل المدينة الرياضية وتحت مدرجات الملاعب، عبر إنشاء عدداً من الصالات والمراكز التدريبية للقواعد والفئات العمرية، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على مستقبل الرياضة في أندية محافظة درعا.

الملعب البلدي: منشأة حيوية بإمكانات غير مستثمرة

إلى جانب البانوراما الرياضية، تشكّل المدينة الرياضية في مركز درعا، المعروفة بـ”الملعب البلدي”، محوراً أساسياً للنشاط الرياضي في المحافظة.

وتبلغ مساحة المدينة الرياضية نحو 130 دونماً بحسب السجلات العقارية، بينما تنخفض المساحة الفعلية داخل السور إلى نحو 97 دونماً.

ويرجع الجهماني هذا الفارق إلى إدراج الطرق والشوارع المحيطة، الواقعة خارج السور، ضمن المساحة المسجلة رسمياً.

صالة رياضية قيد التأهيل وملاعب مستهلكة

تضم المدينة صالة متعددة الاستخدامات لمجموعة واسعة من الألعاب الفردية والجماعية، لكنها خرجت عن الخدمة خلال السنوات الماضية بعد تعرضها للتهالك واستخدامها كمقر عسكري.

ومطلع عام 2026، بدأت وزارة الرياضة والشباب بأعمال إعادة تأهيل شاملة للصالة بقيمة 415 ألف دولار، بناء على طلب تقدمت به مديرية الرياضة في درعا بالتعاون مع مديرية الخدمات الفنية، وبعد نحو شهرين من بدء التنفيذ، بلغت نسبة الإنجاز قرابة 15%، مع استمرار العمل بإشراف لجنة فنية مشتركة.

في المقابل، أدّت تعديلات فنية إضافية، شملت تحسين البنية التحتية وتجهيز مرافق لإقامة الفرق القادمة من خارج المحافظة، إلى طلب زيادة مالية تُقدّر بنحو ربع قيمة المشروع.

وبحسب إبراهيم الحريري، مدرب نادي الشعلة لكرة اليد، تأثر مستوى لاعبي الفريق نتيجة تراجع وتيرة التدريبات، بسبب أعمال تأهيل الصالة الرياضية الوحيدة في مدينة درعا، والتي تزامنت مع خوض الفريق للأدوار النهائية من الدوري.

وأضاف الحريري بأن الفريق اضطر للبحث عن بدائل، من بينها التدرب في صالات بمدينة دمشق، وهو ما شكّل عبئاً إضافياً على اللاعبين، قبل اللجوء إلى خيار آخر تمثّل بالتدرب على أرض ملعب عشبي مخصص لكرة القدم.

إلا أن هذا الخيار، بحسب الحريري، لا يخدم لاعبي كرة اليد من الناحية الفنية، ويؤثر على إحساسهم بالكرة، نتيجة الاختلاف الكبير بين أجواء الصالات المغلقة والملاعب المفتوحة.

كما تضم المدينة الرياضية ملعباً رئيسياً بعشب صناعي يُستخدم بكثافة من مختلف الفئات، ويستضيف بطولات محلية ودوري الدرجة الأولى، ما أدى إلى تراجع حالته الفنية، كما يضم ملعباً عشبياً بمدرجات إسمنتية، لم يخضع لتأهيل فعلي، باستثناء أعمال جزئية لم يتم استلامها رسمياً بسبب عدم مطابقتها للعقد، في الفترة التي سبقت تشكيل وزارة الرياضة والشباب.

وتتوزع داخل المدينة الرياضية عدة منشآت مستثمرة، منها مقر نادي الشعلة، الذي تم استثماره بعقد طويل الأمد بقيمة 630 مليون ليرة سورية، مع قيمة تراكمية لمدة 22 عاماً، وتُستخدم عوائده لدعم النادي.

كما تضم المدينة الرياضية مسبحاً ونادياً رياضياً مع مرافق خدمية كمطاعم ومقاهي وصالة أفراح، يذهب ريها لوزارة الرياضة والشباب.

مساحات غير مستغلة… وفرص ضائعة

تضم المدينة أيضاً ثلاثة ملاعب سداسية صغيرة، أحدها بعشب صناعي بحالة متوسطة، وملعبان بأرضية إسمنتية، يرى القائمون على المدينة إمكانية إعادة تأهيلهما واستخدامهما في ألعاب جماعية مثل كرة السلة واليد والتنس.

ورغم ذلك، تبقى المعضلة الأبرز وفقاً لأمين المسالمة، مدير دائرة الرياضة والشباب في مدينة درعا، في وجود مساحات غير مستغلة استثمارياً تُقدّر بنحو 40% من إجمالي مساحة المدينة الرياضية، ما يشير إلى فرص كبيرة للتطوير.

إلا أن عزوف المستثمرين عن الاستثمار في المدينة الرياضية، لأسباب غير واضحة، والقوانين الناظمة التي تقيد نسبة الاستثمارات غير الرياضية المسموح بها داخل المدن الرياضية بألا تتجاوز 30% من المساحة الكلية، حدت من قدرة المديرية على استحداث استثمارات جديدة.

وأشار المسالمة إلى أن استخدام النظام السابق لمدينة البانوراما الرياضية لأغراض عسكرية أدى إلى تدمير الصالات الصغيرة الواقعة أسفل المدرجات، وخروجها عن الخدمة.

وأضاف أن هذا الواقع انعكس سلباً على تحضير عدد من أبطال الألعاب الفردية، مثل الكاراتيه والمصارعة وألعاب القوى، التي كانت درعا تتصدرها على مستوى البلاد، إذ لم يعد أبطالها يجدون أماكن مناسبة للتدريب.

ويعكس واقع المنشآت الرياضية في درعا جانباً من تحديات مرحلة ما بعد النظام، إذ لا يقتصر التعافي على إعادة الإعمار، بل يشمل أيضاً الحاجة إلى تطوير العمل الإداري والرقابي بما يضمن جودة التنفيذ وحسن إدارة الموارد.

وبين منشآت متضررة ومشاريع لم تكتمل بعد، تبقى الآمال قائمة على قدرة الجهات المعنية على تحويل الخطط إلى خطوات عملية، تسهم في استعادة النشاط الرياضي، وتمهّد لبناء بنية تحتية حديثة تواكب التطور في دول المنطقة.

المزيد..
آخر الأخبار