الدوري السوري بين فوضى المدرجات وارتباك القرار: من المسؤول؟

​متابعة_ أحمد حاج علي :
​يأتي المشهد الحالي للدوري السوري لكرة القدم مثقلاً بتراكمات إدارية وتنظيمية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتضع اتحاد كرة القدم الجديد أمام أول اختبار حقيقي لقدرته على إدارة المنافسة وضبط إيقاعها. فبين مشاكل متكررة مع الشركة الراعية والناقل الحصري، وحالة عدم انسجام واضحة في آليات العمل، انفجرت أحداث الجولة السادسة لتكشف عمق الأزمة، بدلاً من أن تكون مجرد حالات شغب عابرة.

​أحداث مباراتي (الوحدة وحطين) في اللاذقية، و(جبلة والحرية) على ملعب جبلة، لم تكن اعتيادية؛ لا من حيث الحجم ولا من حيث التداعيات. شتائم جماعية، تطاير عبوات المياه والحجارة، وحالات تهجم واحتكاك مباشر، في مشهد أعاد إلى الأذهان فصولاً مؤلمة من تاريخ الملاعب السورية، ظنَّ كثيرون أنها أصبحت خلفنا.

​اتحاد الكرة، عبر لجنته الانضباطية، سارع إلى إصدار حزمة من العقوبات استندت –كما جرت العادة– إلى تقارير مراقبي المباريات وحكامها. تنوعت العقوبات بين الغرامات المالية والإيقافات المؤقتة والطويلة بحق لاعبين وإداريين، وصولاً إلى تحميل بعض الأندية مسؤولية ما جرى داخل مدرجاتها. ظاهرياً، تبدو القرارات منسجمة مع اللوائح، لكن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود العقوبة، بل في سياقها وعدالتها وتوقيت صدورها.

​ردود الفعل لم تتأخر؛ إذ صدرت بيانات رسمية عن أكثر من نادٍ، أبرزها بيان نادي جبلة الرياضي الذي لوّح بانسحاب فريقه من الدوري، معتبراً أن العقوبات الصادرة بحق كوادره جاءت قاسية وغير منصفة، ومتجاهلة –بحسب البيان– الظروف الميدانية والفوضى التنظيمية التي سبقت الأحداث ورافقتها. إن تهديد الانسحاب، حتى وإن لم يُنفذ، يعكس درجة الاحتقان وفقدان الثقة بين الأندية والجهة المنظمة.

​في المقابل، يذهب رأي متزايد داخل الشارع الرياضي إلى تحميل اتحاد الكرة جزءاً أساسياً من المسؤولية، ليس في المعالجة فحسب بل في الوقاية أيضاً.
فضعف الكوادر التنظيمية داخل الملاعب، وغياب الحزم في اللحظات الأولى للتوتر، وافتقار بعض عناصر “الأمن الرياضي” والخدمات إلى الشخصية والخبرة، كلها عوامل ساهمت في تصعيد الأحداث بدلاً من احتوائها. فكرة القدم ليست قرارات تُتخذ بعد صافرة النهاية فقط، بل هي منظومة إدارة تبدأ قبل المباراة بساعات.
​المفارقة أن الاتحاد اختار منطق “المحاسبة اللاحقة” دون أن يقدّم مراجعة علنية لأداء مراقبيه أو حكامه أو المنظمين، وكأن الخلل محصور دائماً في اللاعبين والجماهير والأندية. هذا النهج، إن استمر، سيؤدي إلى مزيد من القطيعة بدلاً من الإصلاح، وإلى تحويل اللوائح الانضباطية من أداة ردع إلى مصدر صراع.

​الرأي هنا لا يدعو إلى التساهل مع الشغب أو تبريره، بل إلى توزيع عادل للمسؤوليات. فلا يمكن ضبط مدرجات غاضبة دون تنظيم محكم، ولا يمكن مطالبة الأندية بالانضباط الكامل في بيئة تفتقد إلى إدارة أزمات حقيقية داخل الملعب. المطلوب اليوم ليس مجرد عقوبات، بل خطة واضحة تشمل: تأهيل الكوادر، توحيد الخطاب الإعلامي، تحسين التنسيق الأمني، والأهم فتح قنوات تواصل شفافة مع الأندية بدلاً من مفاجأتها بالقرارات.

​الدوري السوري لا يحتمل مزيداً من الأزمات، لا فنياً ولا جماهيرياً، وما جرى في الجولة السادسة يجب أن يكون جرس إنذار حقيقياً؛ إما يُستثمر لإعادة تصويب المسار، أو يُهدر ليصبح مشهد الفوضى هو العنوان الأبرز لمسابقة يفترض أن تكون واجهة للكرة السورية، لا عبئاً إضافياً عليها.

المزيد..
آخر الأخبار