متابعة – مالك صقر:
فتح إقرار نظام الاحتراف في كرة اليد السورية باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل اللعبة، ومدى قدرة الأندية على تطبيقه في ظل الظروف المالية الصعبة التي تعيشها، والتفاوت الكبير في إمكاناتها، فضلاً عن المشكلات التي تعاني منها البنية التحتية في عدد من المحافظات.
فالاحتراف، من حيث المبدأ، يمثل حاجة أساسية لتطوير كرة اليد، وتحسين واقع اللاعبين، ومنحهم مردوداً مادياً يتناسب مع الجهد الذي يبذلونه، أسوة بما هو معمول به في كرة القدم وكرة السلة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تملك الأندية المقومات اللازمة للانتقال إلى الاحتراف، أم أن تطبيق النظام يحتاج إلى خطوات تمهيدية تضمن نجاحه واستمراره؟
من تابع وقائع المؤتمر السنوي لاتحاد كرة اليد، وما طُرح خلاله من قبل المعنيين في وزارة الرياضة والشباب ورئيس الاتحاد وأعضائه، يستطيع أن يلمس حجم التحديات التي تواجه اللعبة.
وتبرز مشكلة البنية التحتية في عدد من المحافظات، ولا سيما درعا والرقة ودير الزور وحلب وحمص، إلى جانب نقص التمويل وضعف الإمكانات، ما يضع مستقبل اللعبة أمام تحديات حقيقية، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى دعم أكبر لإعادة تنشيط اللعبة وتوسيع قاعدة ممارسيها.
لا نملك هنا حكماً نهائياً على مدى صوابية قرار إقرار نظام الاحتراف أو جدواه، لكننا نحاول فتح النقاش مع أصحاب التجربة والخبرة، والاستماع إلى آراء الإدارات التي تعمل مباشرة مع فرق كرة اليد، للوقوف على ما يمكن أن يقدمه النظام، وما قد يترتب على تطبيقه في الظروف الحالية.
البداية من نادي النواعير، بطل الدوري السوري لكرة اليد هذا الموسم، ومن وجهة نظر عضو إدارته صلاح حصني، الذي تحدث لـالموقف الرياضي عن رؤيته لنظام الاحتراف، وانعكاساته المحتملة على الأندية واللعبة عموماً.
يرى صلاح حصني أن إقرار نظام الاحتراف كان يفترض أن يسبقه تقييم واقعي لإمكانات الأندية وقدرتها على تمويل فرقها، ولا سيما أن معظمها يدير أكثر من لعبة، بينها كرة القدم وكرة السلة، ما يجعل توزيع الموارد المالية تحدياً إضافياً.
ويقول حصني: برأيي، قبل اعتماد نظام الاحتراف، كان يجب إجراء دراسة لواقع الأندية، ومعرفة ما إذا كانت قادرة على تحمل أعبائه المالية. معظم أنديتنا غير جاهزة للاحتراف حالياً، والسؤال الذي يطرح نفسه: من أين ستأتي الأموال اللازمة لتطبيقه؟.
ويضيف أن نادي النواعير يحاول تأمين احتياجات فريقه، وقد سبق له تقديم رواتب للاعبين ضمن إمكاناته، لكنه يؤكد أن هذا الواقع لا ينطبق على جميع الأندية، فهناك فرق لا تستطيع دفع أي مبالغ للاعبيها، ما يجعل تطبيق النظام بصورة موحدة أمراً صعباً.
ويتابع: نحن في النواعير لدينا نوع من الاحتراف الجزئي، وندفع رواتب للاعبين وفق إمكانات النادي، لكن هناك أندية أخرى لا تستطيع تقديم شيء. لذلك، أرى أن تطبيق الاحتراف الكامل في الوقت الحالي سابق لأوانه، وكان من الممكن العمل على تجهيزه خلال سنة أو سنتين أو أكثر، وفقاً لقدرة الأندية على الاستعداد له.
ولا تتوقف تحفظات حصني عند الجانب المالي، بل تمتد إلى واقع اللاعبين أنفسهم، إذ يرى أن كرة اليد السورية لا تمتلك عدداً كافياً من اللاعبين القادرين على تقديم مستويات عالية، ما قد يؤدي إلى تركّز أبرز الأسماء في عدد محدود من الأندية عند تطبيق الاحتراف.
ويوضح أن عدد اللاعبين المميزين لا يتجاوز، بحسب تقديره، 10 إلى 12 لاعباً على مستوى الدوري، الأمر الذي يثير مخاوف من انتقال معظمهم إلى النادي الأكثر قدرة على الدفع، على حساب بقية الفرق.
ويستشهد حصني بما شهدته اللعبة في مراحل سابقة، حين تركزت مجموعة من اللاعبين في أندية بعينها، فتناوبت فرق مثل الاتحاد والطليعة والجيش على حصد الألقاب خلال فترات مختلفة، بينما واجهت الأندية الأخرى صعوبة في مجاراتها.
ويقول: إذا كان هناك نادٍ يملك المال، فسيكون قادراً على استقطاب أفضل اللاعبين الموجودين في الدوري، وعندها ستتراجع فرص بقية الأندية في المنافسة. نحن لا نريد أن نعود إلى مرحلة يحتكر فيها نادٍ أو ناديان البطولات، لأن ذلك سينعكس سلباً على مستوى اللعبة.
ورغم تحفظاته على توقيت القرار وآلية تطبيقه، يؤكد حصني أنه ليس ضد حصول اللاعبين على رواتب، بل يرى أن تحسين أوضاعهم المادية ضرورة، خصوصاً في ظل الظروف المعيشية الصعبة، ومن حقهم الاستفادة من جهدهم وتفرغهم للعبة.
ويشدد على أن الاعتراض لا يتعلق بمبدأ الاحتراف، وإنما بغياب المقومات التي تسمح بتطبيقه بصورة متوازنة، متسائلاً عن الدور الذي يمكن أن يؤديه اتحاد اللعبة ووزارة الرياضة والشباب في مساعدة الأندية على تنفيذ النظام.
ويضيف أن الأندية تحتاج إلى خطوات عملية تساعدها على تطوير فرقها وتأمين متطلباتها، بدلاً من الاكتفاء بإقرار النظام وانتظار قدرة كل نادٍ على تدبير أموره بنفسه.
ويؤكد أن الدعم يجب أن يأخذ في الحسبان تفاوت الإمكانات بين الأندية، مع إعطاء أولوية للمناطق التي تضررت منشآتها أو تعاني من ضعف البنية التحتية، مشيراً إلى أندية درعا واليقظة ودير الزور والرقة، إضافة إلى أندية في محافظة حماة، التي تحتاج إلى مساندة تتناسب مع واقعها.
ويطرح عضو إدارة نادي النواعير مسألة الدعم والتكريم بوصفها جزءاً من المشكلة الأوسع التي تواجه كرة اليد، مشيراً إلى أن أندية تتوج بألقاب الدوري في ألعاب أخرى تحصل على مكافآت، بينما لا تحظى كرة اليد، بحسب قوله، بالاهتمام نفسه.
ويقول حصني: كرة اليد تشعر بأنها منسية في الوزارة. الأندية التي أحرزت بطولات الدوري في كرة القدم والسلة وحتى الكرة الطائرة كوفئت، لكن ماذا عن بطل دوري كرة اليد؟ لماذا لا تكون هناك مكافأة للنادي الذي تعب وعمل طوال الموسم حتى يحقق اللقب؟.
ويشدد حصني على ضرورة أن يكون لاتحاد اللعبة موقف واضح في الدفاع عن احتياجات الأندية أمام الوزارة، والمطالبة ببرامج دعم حقيقية، على غرار ما تحصل عليه ألعاب أخرى، مؤكداً أن كرة اليد جزء من المنظومة الرياضية السورية، وتستحق أن تحظى بالاهتمام نفسه.
وفي حديثه عن مستقبل اللعبة، يشير حصني إلى أن كرة اليد السورية تمتلك القدرة على تحقيق نتائج جيدة عربياً، شرط توفير الظروف المناسبة للعمل، ووضع خطط واضحة لتطوير الأندية والمنتخبات، بعيداً عن القرارات التي لا تترافق مع إمكانات تنفيذية.
ويعتبر أن نقص التمويل ينعكس مباشرة على إعداد اللاعبين، إذ يحول دون إقامة المعسكرات التدريبية والمشاركة في البطولات الخارجية، ويحد من فرص الاحتكاك بمدارس متقدمة في اللعبة.
ويضيف أن الأفكار والخطط وحدها لا تكفي لتحقيق النتائج، ما لم تتوافر الموارد اللازمة لتحويلها إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
وبين الرغبة في تحسين واقع اللاعبين، والمخاوف من اتساع الفوارق بين الأندية، تبقى قضية الاحتراف في كرة اليد السورية مرتبطة بمدى القدرة على توفير الدعم المالي، وتأهيل الأندية، ووضع آلية تراعي اختلاف إمكاناتها، وتحافظ في الوقت نفسه على عدالة المنافسة.