متابعة – مالك صقر:
بدأت الاتحادات الرياضية السورية الإعلان عن مؤتمراتها السنوية، التي يفترض أن تشكل محطة لمراجعة العمل وتقييم ما تحقق خلال عام كامل، والوقوف عند أبرز الصعوبات التي واجهت مسيرة الألعاب الرياضية، تمهيداً لمعالجة الأخطاء ووضع خطط أكثر واقعية للمرحلة المقبلة لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستكون هذه المؤتمرات مختلفة عن سابقاتها، أم أننا أمام مشهد يتكرر كل عام من دون تغييرات ملموسة؟
الاتحاد العربي السوري لكرة اليد أعلن انعقاد مؤتمره السنوي يوم الأحد 25 تشرين الأول 2026، عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، بمشاركة ممثلي الأندية واللجان التحكيمية والتدريبية والفرعية، إلى جانب عدد من الخبرات الرياضية المدعوة.
ومع بدء الإعلان عن المؤتمرات الرياضية، تتجه الأنظار إلى ما ستطرحه من ملفات وقضايا، ومدى قدرتها على تقديم صورة واضحة عن واقع الاتحادات والأندية، بعيداً عن الاكتفاء باستعراض الإنجازات أو تبرير الإخفاقات فالمؤتمر السنوي ليس مجرد موعد إداري يتكرر مع نهاية كل عام، بل فرصة لمراجعة التجربة السابقة، وتعزيز الجوانب الإيجابية، والاعتراف بمواطن الخلل والعمل على تصحيحها.
السؤال الأهم الذي ينتظر الإجابة هو: هل ستنجح المؤتمرات المقبلة في ملامسة المشكلات الحقيقية التي تعاني منها الرياضة السورية عموماً، والأندية خصوصاً، من خلال نقاشات جادة تفضي إلى حلول عملية؟ أم ستتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات والمشاحنات، وإعادة طرح القضايا ذاتها التي حضرت في مؤتمرات سابقة، من دون أن تجد طريقها إلى المعالجة؟
فالواقع الرياضي لا يحتاج إلى تكرار الحديث عن الصعوبات والمتاعب بقدر حاجته إلى تحديد أسبابها، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، ووضع خطوات قابلة للتنفيذ كما أن استمرار المشكلات نفسها عاماً بعد آخر يطرح تساؤلات حول جدوى الخطط الموضوعة، ومدى الالتزام بتنفيذها، وآليات المتابعة والمحاسبة داخل الاتحادات والأندية.
ومن هنا، فإن نجاح أي مؤتمر لا يُقاس بعدد المداخلات أو طول النقاشات، بل بما ينتج عنه من قرارات واضحة، وبرامج عمل محددة، وجدول زمني للتنفيذ، مع تحديد الجهات المسؤولة عن متابعة كل ملف.
عند سؤال المعنيين عن الغاية من المؤتمرات السنوية، تأتي الإجابة عادة بأنها مساحة لتقييم الخطط والبطولات والأنشطة التي نُفذت خلال العام، سواء على المستوى المحلي أم الخارجي، ومراجعة النتائج الإيجابية والسلبية، والاستفادة منها في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تبقى الخطط التي تضعها بعض الاتحادات حبراً على ورق، أو تتحول إلى عناوين معلقة من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. وهنا تبرز أسئلة مشروعة: هل وُضعت هذه الخطط بما يتناسب مع الإمكانات المالية والفنية المتاحة؟ وهل كانت أهدافها واقعية منذ البداية؟ أم أن هناك قصوراً في دراسة الاحتياجات وتحديد الأولويات؟
لا يمكن فصل هذه التساؤلات عن الظروف التي تعمل فيها الاتحادات الرياضية، ولا سيما ما يتعلق بالإمكانات المادية والصعوبات التنظيمية، لكن هذه الظروف لا تلغي ضرورة التخطيط الواقعي، بل تجعل الحاجة إليه أكثر إلحاحاً.
فالإدارة الرياضية الناجحة لا تكتفي بوضع أهداف طموحة، وإنما تعمل على تحديد الوسائل اللازمة لتحقيقها، وتدرس العقبات المحتملة، وتضع بدائل مناسبة عند تعذر تنفيذ بعض البرامج أما الاكتفاء بإعلان الخطط ثم العودة إلى تبرير عدم تنفيذها، فلا يساعد على تطوير العمل أو بناء الثقة بين الاتحادات والأندية.
إن التخطيط الاستراتيجي في الرياضة ليس مجرد إعداد برامج وبطولات على الورق، بل عملية متكاملة تبدأ بتحليل الواقع والاستفادة من التجارب السابقة، مروراً باتخاذ القرارات المناسبة وتحديد الأولويات، وصولاً إلى متابعة التنفيذ وقياس النتائج.
ومن خلال متابعة المؤتمرات الرياضية السابقة، يبرز تكرار عدد من المطالب والأفكار، مع إعادة طرح ملفات لم تصل إلى حلول نهائية، في حين تبقى بعض الوعود مرتبطة بما سيُنفذ بعد انتهاء المؤتمر، من دون تحديد مواعيد واضحة أو آليات تضمن المتابعة.
وهنا يبرز السؤال: ما جدوى المؤتمر إذا كانت القضايا نفسها تعود إلى الطاولة في كل عام، وإذا كانت التوصيات لا تتحول إلى خطوات عملية؟
إن المطلوب هو الانتقال من مرحلة تشخيص المشكلات إلى معالجتها، ومن تسجيل الملاحظات إلى اتخاذ القرارات، مع وجود آليات واضحة للمحاسبة وتقييم الأداء. فالمؤتمر الذي لا يترك أثراً في واقع اللعبة، ولا ينعكس على عمل الأندية والمنتخبات والكوادر الفنية والتحكيمية، يفقد جزءاً كبيراً من الغاية التي أُقيم من أجلها.
بالنسبة إلى مؤتمر الاتحاد العربي السوري لكرة اليد، فإن الآمال تتجه إلى أن يشكل فرصة حقيقية لمناقشة واقع اللعبة بكل شفافية ووضوح، وفتح الملفات الأساسية التي تؤثر في مسيرتها، بعيداً عن المجاملات أو الحسابات الشخصية.
المطلوب أن يحظى كل بند مدرج على جدول الأعمال بنقاش جاد، وأن تُطرح المشكلات كما هي، مع البحث عن أسبابها وتحديد الحلول الممكنة وفق الإمكانات المتاحة. كما تبرز أهمية تقييم العمل الفني والإداري خلال الفترة الماضية، ومراجعة واقع البطولات المحلية، ومستوى إعداد الفئات العمرية، واحتياجات الأندية، إلى جانب شؤون التدريب والتحكيم وسبل تطوير الكوادر العاملة في اللعبة.
ومن الضروري أيضاً توسيع دائرة المشاركة، والاستماع إلى آراء الأندية والمدربين والحكام والخبرات الرياضية، باعتبارهم جزءاً أساسياً من منظومة كرة اليد، والأكثر ارتباطاً بتفاصيل واقعها اليومي. فنجاح أي خطة تطويرية يرتبط بمدى واقعيتها، وبقدرة الجهات المعنية على التعاون في تنفيذها.
ولا بد أن تنتهي المناقشات إلى توصيات محددة، تتضمن أولويات واضحة ومواعيد للتنفيذ، مع متابعة ما تحقق منها ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التقصير، بعيداً عن إطلاق الوعود التي تتكرر من مؤتمر إلى آخر.
تبقى المؤتمرات الرياضية فرصة مهمة لإعادة تقييم العمل وتصويب المسار، شرط ألا تتحول إلى تقليد سنوي تفرضه الإجراءات الإدارية، أو مناسبة لاستعراض ما أُنجز من دون التوقف عند ما لم يتحقق وأسباب ذلك.
وما نأمله من مؤتمر الاتحاد العربي السوري لكرة اليد أن يكون محطة مختلفة في طريقة التعاطي مع قضايا اللعبة، وأن يضع مصلحتها فوق أي اعتبار آخر، من خلال تعزيز العمل المؤسسي، وترسيخ ثقافة المكاشفة والمحاسبة، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار.
فالرياضة السورية لا تحتاج إلى مزيد من الخطط التي تبقى معلقة، ولا إلى مؤتمرات تعيد إنتاج النقاشات ذاتها، بل إلى عمل منظم وقرارات قابلة للتنفيذ ومتابعة مستمرة للنتائج.
ويبقى المعيار الحقيقي لنجاح مؤتمر كرة اليد هو ما سيقدمه بعد انتهائه، لا ما سيقال خلال جلساته. فهل تحمل هذه المؤتمرات تغييراً ملموساً في واقع الرياضة السورية، أم سنجد أنفسنا أمام حلقة جديدة من مسلسل قديم، تتبدل عناوينه فيما تبقى مشكلاته على حالها؟