كرة اليد السورية أمام تحديات إعادة البناء والاحتراف… خلافات داخلية وغياب الدعم يضعان مستقبل اللعبة على المحك!

متابعة – مالك صقر:

رغم بعض الإشراقات التي شهدتها كرة اليد السورية خلال العام الماضي، لا تزال اللعبة تواجه تحديات كبيرة على المستويات الإدارية والتنظيمية والمالية والفنية، في مشهد يعيد إلى الواجهة مشكلات قديمة لم تجد طريقها إلى الحل، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة أسرة كرة اليد على تجاوز خلافاتها ووضع مصلحة اللعبة والمنتخبات الوطنية في مقدمة الأولويات.

وتزداد صعوبة المشهد مع اقتراب انعقاد المؤتمر العام الأول لاتحاد كرة اليد السوري بعد تشكيله، ولا سيما أن الآراء والأفكار التي طرحتها مجموعة من الخبرات والمدربين والحكام كشفت عن حجم التحديات التي تواجه اللعبة، في ظل ظروف صعبة وتراكمات تحتاج إلى معالجة هادئة وشاملة، بعيداً عن تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات بين كوادرها.

فكرة اليد السورية لا تزال تدور في حلقة مفرغة من الخلافات، في وقت يبدو فيه أن تغليب المصالح الشخصية أو مصالح بعض الأندية على مصلحة اللعبة بات عائقاً أمام أي محاولة جدية للتطوير؛ وهو واقع لا يمكن تغييره بقرارات سريعة أو حلول مؤقتة، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لطريقة العمل، وإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف المعنية.

سبق أن أشرنا إلى أن اتحاد كرة اليد السوري لا يملك عصا سحرية لتغيير الواقع بين ليلة وضحاها، خصوصاً أن حجم المشكلات المتراكمة يتجاوز إمكانات أي اتحاد بمفرده. فهناك محافظات، مثل درعا والرقة ودير الزور، تعاني من غياب البنى التحتية اللازمة لاستمرار العمل وتطوير اللعبة، رغم ما تمثله هذه المناطق من أهمية في خريطة كرة اليد السورية.

وخلال السنوات الماضية، خسرت اللعبة الكثير من مقوماتها، سواء على صعيد المنشآت أو الخبرات المتراكمة أو الأجيال التي كان يمكن أن تشكل قاعدة لمستقبلها. لذلك، فإن إعادة البناء لا تقتصر على تنظيم البطولات وإصدار اللوائح، بل تتطلب خطة متكاملة لإعادة تأهيل مفاصل اللعبة، واستعادة الكفاءات، وتوسيع قاعدة اللاعبين، وتأمين الظروف المناسبة لاستمرار الأندية والمنتخبات.

وقد تمتد هذه المهمة إلى خمس سنوات مقبلة، وهي مدة تعكس حجم العمل المطلوب، وتؤكد أن النتائج لن تتحقق من دون تعاون حقيقي بين الاتحاد والأندية والمدربين والحكام وجميع العاملين في اللعبة.

وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات وتبادل الاتهامات لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين الكوادر، وإبعاد أصحاب الخبرة عن العمل، في وقت تحتاج فيه كرة اليد إلى جمع الجهود والاستفادة من كل الإمكانات المتاحة.

لا تقف المشكلة عند حدود الخلافات بين كوادر اللعبة، بل تمتد إلى واقع بعض الأندية التي اتخذت قرارات بإلغاء فرقها، الأمر الذي يهدد استمرارية المنافسة ويقلص فرص ممارسة اللعبة، ولا سيما في فئات الإناث.

وتبرز في هذا السياق أندية النصر والنبك والكرامة، التي ألغت فرق السيدات لديها، في خطوة تطرح علامات استفهام حول مستقبل كرة اليد النسائية، ومدى قدرة الأندية على المحافظة على فرقها وتأمين متطلبات استمرارها.

كما شهد الموسم انسحابات طالت مسابقات الرجال والأشبال والشباب، وصولاً إلى بعض فئات الإناث، لتتكرر المشكلات ذاتها في أكثر من فئة، وتنعكس سلباً على انتظام المنافسات وفرص التطور الفني للاعبين واللاعبات.

ويضع البعض المسؤولية في الجانب المالي، في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف المشاركة والتدريب والتنقل، وهي صعوبات لا يمكن تجاهلها عند تقييم واقع اللعبة. لكن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على تشخيص الأزمة المالية، بل تحتاج أيضاً إلى البحث عن آليات دعم واقعية، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، ووضع حلول تساعد الأندية على الاستمرار بدلاً من الانسحاب أو إلغاء الفرق.

ومن بين المشاهد التي تستحق التوقف عندها، الاجتماع المخصص لمناقشة روزنامة عمل اتحاد كرة اليد السوري والخطط المستقبلية لتطوير اللعبة، والذي حضره رئيس الاتحاد وعضوان فقط من أعضائه.

ويثير هذا الحضور المحدود تساؤلات حول أسباب غياب أكثر من نصف أعضاء الاتحاد عن اجتماع يفترض أن يشكل محطة أساسية لتحديد مسار العمل خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما أن المرحلة الحالية تتطلب مشاركة واسعة في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات.

واللافت أيضاً غياب اللجان المختصة والمنبثقة عن الاتحاد عن الاجتماع، باستثناء لجنة الحكام، رغم الدور الذي يفترض أن تؤديه هذه اللجان في تقديم المقترحات الفنية والتنظيمية، ومناقشة الملفات المرتبطة باختصاصاتها.

وفي مرحلة تتطلب تضافر الجهود ووضع خطط قابلة للتنفيذ، تبدو مشاركة أعضاء الاتحاد واللجان المعنية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لأن إعادة بناء اللعبة لا تتحقق بجهود محدودة، بل من خلال عمل مؤسساتي واضح، تتوزع فيه الأدوار وتخضع فيه القرارات للمتابعة والتقييم.

وعلى الرغم من هذه التحديات، أنهى اتحاد كرة اليد السوري مناقشة روزنامة عمله، واضعاً مجموعة من الملفات التنظيمية والقانونية على طاولة البحث، تمهيداً للانتقال إلى خطوات عملية تتعلق بمستقبل اللعبة.

وتتصدر هذه الملفات مسألة إقرار قانون الاحتراف، إلى جانب مناقشة لائحة المسابقات وتحديد شكل نظام الدوري والكأس، مع طرح مقترح لإقامة دوري تصنيفي، فضلاً عن دراسة لائحة العقوبات والنظام المالي.

وقد أُرسلت هذه اللوائح والمقترحات إلى الأندية المعنية للاطلاع عليها ومناقشتها، وتقديم ملاحظاتها خلال المؤتمر العام لاتحاد كرة اليد السوري، المقرر عقده خلال الأيام المقبلة.

وتشكل هذه الملفات أساساً مهماً لتنظيم العمل وتحديد الحقوق والواجبات، لكن نجاحها يبقى مرتبطاً بمدى واقعيتها وإمكانية تطبيقها، وقدرتها على مراعاة الفوارق بين الأندية وإمكاناتها المالية والفنية، بما يضمن عدالة المنافسة واستمراريتها.

كرة اليد السورية اليوم أمام مرحلة مفصلية؛ فالمطلوب لا يقتصر على إقرار اللوائح وتنظيم المسابقات، بل يتعداه إلى معالجة أسباب التراجع، وإعادة الثقة بين الاتحاد والأندية والكوادر، وتأمين الحد الأدنى من مقومات العمل في مختلف المحافظات. أما استمرار الخلافات وغياب التنسيق، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة، في حين أن توحيد الجهود ووضع مصلحة اللعبة فوق الحسابات الضيقة قد يشكلان الخطوة الأولى نحو استعادة حضور كرة اليد السورية وبناء مستقبل أكثر استقراراً لها.

المزيد..
آخر الأخبار