أتلتيكو مدريد ودييغو سيميوني… وفلسفة المشروع المؤجل

متابعة- محمد رجوب:

من الصعب مقاربة العلاقة بين أتلتيكو مدريد ودييغو سيميوني بمنطق الأرقام فقط، لأن ما يجمع الطرفين يتجاوز عقداً احترافياً إلى شراكة صنعت هوية وحقبة كاملة في تاريخ النادي، ومع ذلك، حين تتراكم المؤشرات المالية والفنية بهذا الشكل، يصبح السؤال مشروعاً، إلى أين يتجه المشروع؟ وهل ما يزال التوازن بين الكلفة والعائد مقنعاً؟.

سيميوني، الذي يتقاضى أعلى راتب لمدرب في العالم متقدماً حتى على بيب غوارديولا، ليس مجرد مدرب في أتلتيكو، بل رمز مرحلة، فمنذ قدومه عام 2011، نقل الفريق من حالة التذبذب إلى نادي ينافس الكبار، وقاده إلى نهائي دوري أبطال أوروبا مرتين، وحقق لقب الدوري في زمن هيمنة عملاقين، تلك الإنجازات منحت الإدارة قناعة راسخة بأن الاستقرار أهم من المغامرة، وأن “التشولو” هو الضامن لهوية النادي القتالية.

لكن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالتاريخ فقط، بل تحاسب على الحاضر وتستشرف المستقبل.

أرقام الصرف… ومفارقة العائد

في آخر موسمين، كان أتلتيكو الأكثر إنفاقاً في إسبانيا على صعيد التعاقدات، إذ ضخ هذا الموسم نحو 230 مليون يورو، مقابل 145 مليون يورو من المبيعات، بصافي إنفاق بلغ 84 مليوناً.

في الموسم الماضي، أنفق 188 مليوناً مقابل 115 مليوناً من العائدات، بصافي 73 مليوناً، وللمقارنة، لم يتجاوز صافي إنفاق ريال مدريد في الموسمين معاً الأرقام التي ضخّها أتلتيكو في موسم واحد.

الأمر لا يتوقف عند الصفقات، فالنادي يتمتع بهامش مالي مريح في سقف الرواتب، كونه ثاني أكثر نادٍ مسموح له بالدفع في الليغا، وبفارق واضح عن برشلونة، كل ذلك يعزز فكرة أن المشروع ليس فقيراً ولا مضطراً للتقشف، بل يملك أدوات المنافسة.

لكن على أرض الواقع، تبدو النتائج أقل من التوقعات، فالفريق متأخر في سباق الدوري، ومهدد بالخروج من رباعي المقدمة، ومتذبذب أوروبياً، بعدما فرط بفرصة حجز موقع متقدم في بطولة الدوري، وهنا تحديداً تتجلى المفارقة، إنفاق عالٍ واستقرار إداري، ونتائج لا تعكس سقف الطموح المفترض.

معضلة الأسلوب

جزء من الإشكالية يرتبط بثبات سيميوني على فلسفته، قوته كانت دائماً في الانضباط الدفاعي والصلابة الذهنية، لكن هذا الأسلوب ذاته تحول في بعض المواسم إلى قيد تكتيكي، خاصة أمام الفرق الصغيرة التي تتكتل دفاعياً.

كما أن أتلتيكو يملك أسماء هجومية مميزة، لكنه كثيراً ما يبدو عاجزاً عن فرض إيقاعه أو حسم مباريات يفترض أن تكون في متناوله.

الإدارة وفرت الأدوات، غير أن عملية توظيفها لم تصل دائماً إلى أقصى كفاءة، فبعض الصفقات لم تستثمر كما ينبغي، وبعض المواهب فقدت بريقها داخل منظومة لا تمنح الحرية الكافية للإبداع، ليكون السؤال هنا ليس عن جودة اللاعبين، بل عن مرونة الإطار الذي يحتضنهم.

إدارة أتلتيكو تظهر ولاءً استثنائياً لسيميوني، وهذا الولاء يمكن قراءته كتقدير مستحق لمن صنع هوية النادي الحديثة، ويمكن أيضاً تفسيره كتردد في خوض مغامرة التغيير، فالتاريخ القريب مليء بأمثلة أندية دفعت ثمن القطيعة مع مدربين أسطوريين، كما أنه مليء بأمثلة أخرى أثبتت أن التجديد ضرورة لا مفر منها.

المعادلة هنا تبدو دقيقة، سيميوني ليس مجرد مدرب يمكن استبداله بسهولة، لأنه يمثل ثقافة كاملة داخل النادي، لكن في المقابل، استمرار المشروع بلا تطور ملموس قد يفقد الفريق ميزة المنافسة التدريجية التي تميز بها خلال العقد الماضي.

الزمن في كرة القدم لا يقاس بالسنوات بل بالمواسم، وأتلتيكو اليوم ليس ذلك النادي الذي كان يرضى بالمركز الثالث كإنجاز، ولا ذاك الذي يحتفل بالمنافسة الشريفة، هو نادٍ يملك القدرة المالية والجماهيرية والبنية التحتية للمطالبة بالألقاب.

إذا استمر التراجع النسبي في الأداء والنتائج، فسيصبح النقاش أكثر حدة، هل يعاد تعريف دور سيميوني ضمن مشروع متجدد؟ أم أن الإدارة ستواصل الرهان على وفاء أثبت نجاعته سابقاً؟.

في النهاية، العلاقة بين أتلتيكو وسيميوني ليست غير منطقية بقدر ما هي استثنائية، لكنها، ككل علاقة طويلة الأمد، تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى لا يتحول الوفاء إلى جمود، ولا يتحول الاستقرار إلى سقف يقيد الطموح.

المزيد..
آخر الأخبار