متابعة – محمد رجوب:
أعاد سقوط برشلونة الأخير أمام جيرونا فتح باب الجدل حول فلسفة المدرب الألماني هانز فليك، وتحديداً رهانه المستمر على الخط الدفاعي العالي.
المشهد لم يكن جديداً، تكرار المعاناة أمام الكرات الطولية والتحولات السريعة، كما حدث سابقاً أمام أتلتيكو مدريد، يطرح سؤالًا: هل تحول “الدفاع المتقدم” من أداة ضغط وهيمنة إلى انتحار تكتيكي؟.
فليك يعتمد على تقليص المساحات، الضغط العكسي السريع، ومصيدة التسلل كسلاح أساسي لإبقاء الفريق في نصف ملعب الخصم.
الفكرة نظرياً تمنح السيطرة وتدعم الاستحواذ، لكنها عملياً تحتاج إلى تناغم مثالي وسرعة ارتداد عالية من قلبي الدفاع والأظهرة.
أمام جيرونا، بدا أن المنظومة تستهدف بوضوح، كرات مباشرة خلف الخط، استغلال للأطراف، وتحركات ذكية بين الظهير وقلب الدفاع وضعت الفريق في مواقف حرجة متكررة.
المشكلة لا تكمن في الفكرة بحد ذاتها، بل في قابلية التنفيذ، فالاعتماد المفرط على مصيدة التسلل يجعل أي تأخر في التغطية أو سوء تمركز خطأً قاتلاً.
كما أن الضغط العالي يفقد فعاليته حين يتأخر خط الوسط في الارتداد، فتظهر مساحات شاسعة خلف المدافعين، وهنا يبرز أثر الغيابات، خصوصاً غياب بيدري، الذي يوفر عادة التوازن بين الجرأة الهجومية والانضباط التكتيكي، ويمنح الفريق قدرة أكبر على التحكم في الرتم وتقليل التحولات العكسية.
هجومياً، لا يمكن إنكار أن أسلوب فليك يمنح الفريق كثافة في الثلث الأخير، لكنه يصبح ضعيفاً حين لا تترجم السيطرة إلى أهداف، فالاعتماد على الحلول الفردية، مهما كانت موهبة لامين يامال لافتة، لا يكفي دائماً لكسر التكتلات، ومع أي فقدان للكرة تتحول الجرأة إلى مخاطرة مفتوحة.
في المقابل، يجب الاعتراف بأن الفرق الكبرى في أوروبا تلعب بخطوط متقدمة، لكن الفارق يكمن في التفاصيل: سرعة قلبي الدفاع، جودة التغطية العكسية، والضغط المنظم ككتلة واحدة، وحين تختل حلقة واحدة، يصبح الفريق “كتاباً مفتوحاً” أمام خصم يجيد التحول السريع.
دفاع فليك المتقدم ليس خطأً تكتيكياً في جوهره، لكنه أصبح عالي الكلفة في ظل تكرار السيناريو ذاته، والمطلوب ليس التخلي عن الفلسفة، بل تعديلها إلى مرونة أكبر في بعض المباريات، وقراءة أذكى لإيقاع الخصم، وتوازن أدق بين الجرأة والحذر، لأن الموسم لا يحسم بالأفكار الكبيرة فقط، بل بقدرة المدرب على التكيف عندما تصبح أفكاره مكشوفة.