متابعة – مالك صقر:
لا يزال قرار إقرار نظام الاحتراف في كرة اليد يثير الكثير من النقاشات في الأوساط الرياضية، بين من يراه خطوة ضرورية طال انتظارها، ومن يعتبر أن الظروف الحالية للأندية لا تسمح بتطبيقه بالشكل الذي يحقق أهدافه.
وبين وجهتي النظر، تتواصل الموقف الرياضي في رصد آراء المدربين والخبرات والكوادر العاملة في الأندية السورية، للوقوف على انعكاسات القرار وإمكانية نجاحه على أرض الواقع.
واليوم، نتوقف عند آراء كوادر نادي الطليعة، أحد الأندية التي تركت بصمتها في كرة اليد السورية، لنستمع إلى وجهتي نظر مختلفتين حول الاحتراف، من حيث أهميته، وشروط نجاحه، والعقبات التي قد تعترض طريقه.
زيد مغمومة: خطوة إيجابية تحتاج إلى ضوابط
زيد مغمومة، المدرب والخبرة في كرة اليد، يرى أن قرار الاحتراف يشكل خطوة إيجابية في ظل الظروف المالية الصعبة التي تعيشها الرياضة السورية، مؤكداً أن تطبيقه بصورة صحيحة يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على واقع اللعبة.
وقال مغمومة إن الواقع العام للرياضة السورية، والضغوط المالية التي تواجه الوزارة والأندية، تجعل من قرار الاحتراف خطوة أولى إيجابية جداً فالقرار يمنح الأندية أريحية في التعاقد مع لاعب أو لاعبين من خارج النادي منذ بداية الدوري، بما يساعدها على معالجة النقص في صفوفها، وفي الوقت نفسه يضمن حقوق اللاعبين الذين أصبح بإمكانهم الاتفاق مع النادي على قيمة مالية واضحة طوال الموسم.
وأضاف أن تصنيف اللاعبين وتحديد قيمة العقود، حتى وإن كانت المبالغ المطروحة حالياً لا ترقى إلى ما يحصل عليه لاعبو الألعاب الأخرى، يمثل بداية جيدة، ولا سيما أن الاحتراف في كرة اليد لا يزال في مراحله الأولى.
وأشار مغمومة إلى أن هناك شريحة من اللاعبين كانت تطمح إلى مبالغ مالية أعلى من تلك التي أقرها النظام، موضحاً أن بعض اللاعبين كانوا ينتظرون عقوداً تتراوح قيمتها بين 7 و10 آلاف دولار، في حين أن المبالغ المحددة حالياً قد لا تصل إلى 400 دولار شهرياً بالنسبة لبعض التصنيفات.
واعتبر أن هذه الفجوة بين طموحات اللاعبين والواقع المالي للأندية تمثل إحدى الحلقات المفقودة في تطبيق الاحتراف، لكنها لا تلغي أهمية القرار، بل تستدعي العمل على تطويره تدريجياً.
ولفت إلى أن تخصيص دعم مالي للاعبي المنتخب الوطني، من خلال القوائم التي يرسلها اتحاد كرة اليد إلى الأندية، يمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء المالية عن الأندية، ويمنح اللاعبين الدوليين تقديراً إضافياً لما يقدمونه للمنتخب.
تحرير الكشوفات يحتاج إلى تدرج
وفيما يتعلق بعدم تحرير كشوفات اللاعبين بشكل مباشر، أوضح مغمومة أن اتحاد كرة اليد لا يستطيع اتخاذ هذه الخطوة بصورة فورية، لأن ذلك قد يؤدي إلى إلحاق الضرر ببعض الأندية التي استثمرت سنوات طويلة في إعداد لاعبيها.
وقال إن منح الأندية مهلة سنتين قبل تحرير الكشوفات يتيح لها فرصة ترتيب أوضاعها، والعمل على بناء فرقها وفق النظام الجديد، مشيراً إلى أن التجربة المصرية في الاحتراف شهدت تأخير تحرير الكشوفات لمدة خمس سنوات.
وأضاف أن هذه المهلة قد تكون طويلة بالنسبة لبعض اللاعبين الذين يخشون تراجع مستواهم أو انتهاء مسيرتهم الرياضية قبل الاستفادة من الاحتراف، لكنه يرى أن التدرج في تطبيق النظام يبقى الخيار الأنسب في ظل الظروف الحالية.
وأكد أن السماح للأندية بالتعاقد مع لاعبين من خارجها أثبت جدواه خلال تجربة الفاينل فور في الموسم الماضي، عندما أسهمت هذه الخطوة في رفع مستوى المنافسة، وزيادة اهتمام الجمهور بكرة اليد.
وشدد مغمومة على أن الاحتراف لا يمكن فصله عن بقية المشكلات التي تعاني منها اللعبة، وفي مقدمتها ضعف الإمكانات المادية وغياب الصالات المناسبة في عدد من المحافظات.
وأوضح أن مسؤولية دعم الأندية لا تقع على اتحاد كرة اليد وحده، بل تحتاج إلى دور أكبر من الوزارة، مؤكداً أن انتظار تأمين المنشآت قبل البدء بالاحتراف قد يؤخر تطوير اللعبة سنوات طويلة.
وختم حديثه بالتأكيد أن قرار الاحتراف، رغم صعوبة الظروف، يمثل خطوة تستحق الدعم، شرط وضع ضوابط واضحة لتنفيذه ومراقبة الالتزام به، بما يضمن حقوق اللاعبين والأندية على حد سواء.
تمام مفتاح: الاحتراف يحتاج إلى أندية قادرة على تطبيقه
في المقابل، يرى تمام مفتاح، المدرب والخبرة الوطنية والمشرف على كرة اليد في نادي الطليعة، أن الاحتراف بصيغته الحالية قد لا يحقق النتائج المرجوة، في ظل واقع الأندية والمنشآت الرياضية، وعدم حصول كرة اليد على الدعم والاهتمام الكافيين.
وأشار مفتاح إلى أن المؤتمر السنوي لاتحاد كرة اليد شهد نقاشات واسعة حول مشكلات المنشآت والصالات ونظام الاحتراف، لكنه اعتبر أن بعض الملفات الأساسية لم تأخذ حقها من النقاش، وفي مقدمتها عمل اللجان المختصة.
وقال إن اللجان السابقة لم تكن فعالة بالشكل المطلوب، باستثناء لجنة الحكام، مؤكداً أن تفعيل دور هذه اللجان يمثل ضرورة لتطوير اللعبة وتنظيم عملها.
كما أبدى تحفظه على ما طرح خلال المؤتمر بشأن محدودية الدعم المقدم لكرة اليد، معتبراً أن الحديث عن غياب الإمكانات المالية، في وقت تحظى فيه ألعاب أخرى بمخصصات أكبر، ترك حالة من الإحباط لدى عدد من أعضاء المؤتمر.
وبالنسبة إلى نظام الاحتراف، أوضح مفتاح أن الأندية لم تحصل على فرصة كافية لمناقشة جميع تفاصيله، رغم طرح إمكانية تعديل بعض مواده، مشيراً إلى ضرورة تحقيق التوازن بين حقوق اللاعب وحقوق النادي.
ويرى مفتاح أن كرة اليد السورية لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على عدد محدود من الأندية، وعلى الأشخاص المحبين للعبة الذين يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية الفنية والمادية.
وقال إن الدعم الذي تقدمه إدارات الأندية، رغم أهميته، لا يزال دون مستوى الطموح، مضيفاً أن كرة اليد تعتمد منذ سنوات على ما وصفهم بـ«مجانين كرة اليد»، أي الأشخاص الذين يواصلون العمل من أجل اللعبة رغم الصعوبات.
ثلاث سنوات بدلاً من سنتين
وفي حديثه عن المدة المحددة لخدمة اللاعب لناديه، أشار مفتاح إلى أنه اقترح أن تكون ثلاث سنوات بدلاً من سنتين، بما يضمن حصول النادي على مقابل فعلي لما قدمه للاعب خلال فترة إعداده.
كما توقف عند بند الإعارة، الذي ينص على احتساب مدة الإعارة ضمن فترة خدمة اللاعب للنادي، معتبراً أن هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة.
وقال إن اللاعب الذي يقضي سنة معاراً إلى نادٍ آخر، من المفترض أن يعوض النادي الأصلي تلك السنة، بحيث تكون مدة الخدمة الفعلية ثلاث سنوات، وليس مجرد مدة زمنية محسوبة ضمن العقد.
وأكد مفتاح أن الاحتراف يحتاج إلى قاعدة واسعة من الأندية القادرة على المنافسة، مشيراً إلى أن وجود دوري يضم ما لا يقل عن 8 إلى 10 أندية فعالة يمثل أحد الشروط الأساسية لنجاح التجربة.
وأضاف أن إقامة دوري كامل يشمل مختلف المحافظات تبدو صعبة في الوقت الحالي، بسبب غياب الصالات المناسبة في عدد من المناطق التي تعد من أبرز معاقل كرة اليد السورية.
وأوضح أن درعا، التي تعد من أهم مناطق انتشار اللعبة، لا تمتلك صالة تخدم كرة اليد، فيما تعاني صالات دير الزور من سوء التجهيزات، وتواجه الرقة ظروفاً أكثر صعوبة.
وأشار إلى أن هذه المشكلات تفرض العودة إلى نظام التجمعات، وهو ما لا يخدم تطوير اللعبة بالشكل المطلوب.
هل يغير الاحتراف واقع كرة اليد؟
وفي ختام حديثه، أكد مفتاح أن كرة اليد السورية تحتاج إلى معالجة مجموعة من الملفات قبل الحديث عن تحول حقيقي نحو الاحتراف، وفي مقدمتها تأمين الصالات، وتحسين الوضع المالي للأندية، وزيادة الاهتمام باللعبة.
وقال إن المشاركات العربية للأندية، سواء على مستوى الرجال أو السيدات، كانت في كثير من الأحيان ثمرة جهود فردية، تحمل فيها النادي جزءاً من الأعباء، فيما تحمل محبو اللعبة الجزء الأكبر.
وأضاف أن الأندية والأشخاص العاملين فيها يحاولون دفع كرة اليد نحو المسار الصحيح، لكن الظروف الحالية تجعل من الصعب توقع تغيير كبير على المدى القريب.
وبين الرأيين، تبدو كرة اليد السورية أمام مرحلة جديدة، عنوانها الاحتراف، لكن نجاحها لن يتوقف عند إقرار النظام أو تحديد قيمة العقود، بل يرتبط بمدى قدرة الأندية على تطبيقه، ووجود بيئة مناسبة تضمن استمراره.