متابعة- محمد رجوب:
في الوقت الذي تتصاعد فيه أهمية الرياضة على أنها مساحة جامعة للجمهور، و نافذة للتعبير الحضاري عن الانتماء والانفعالات، تبرز في ملاعبنا و صالاتنا الرياضية إشكاليات متكررة تكشف عن حاجة ملحّة لإعادة تنظيم العلاقة بين أمن الملاعب والجمهور، وبين الجمهور وثقافة التشجيع نفسها.
رغم الجهود الواضحة التي يبذلها رجال الأمن العام في إدارة المباريات وتأمينها، إلا أن الواقع الميداني داخل بعض الملاعب والصالات يظهر وجود “فجوة” في مستوى الجاهزية والتعامل مع البيئة الرياضية الخاصة. فالتعامل مع حدث رياضي لا يشبه أي سياق أمني آخر، بل يتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة الجمهور، وأدوار الحاضرين، وحساسية اللحظة.
كمتابعة ميدانية، تتكرر مشاهد تشير إلى غياب القدرة أحياناً على التمييز بين الإعلامي الذي يؤدي مهمة تغطية، أو إداري نادٍ، أو شخصية رياضية رسمية، ما يخلق ارتباكاً في إدارة المواقف، ويؤدي أحياناً إلى تصعيد لا يخدم سير المباراة ولا صورة المؤسسة الأمنية نفسها.
من هنا، تبدو الحاجة واضحة إلى تطوير مفهوم “أمن الملاعب” ليصبح جهازاً متخصصاً، لا يعتمد فقط على الانتشار العددي، بل على المعرفة المهنية الدقيقة بخصوصية الرياضة، وآليات إدارة الحشود داخل بيئة مشحونة بالعاطفة والانفعال.
كما أن التدريب يشكل حجر الأساس في أي تطوير حقيقي. فالعناصر الأمنية بحاجة إلى دورات متقدمة في إدارة الجماهير، واحتواء حالات التوتر، والتعامل الاحترافي مع مختلف الأطراف داخل الملعب، بما يضمن ضبط الموقف دون اللجوء إلى التصعيد غير الضروري. هذا النوع من التأهيل هو ما يميز بين أمن تقليدي، وأمن رياضي احترافي قادر على امتصاص الاحتكاك قبل أن يتحول إلى أزمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية التي قطعت شوطاً كبيراً في تنظيم أمن الملاعب، حيث أصبحت المنظومة هناك قائمة على تخصص واضح، وتكامل بين الأمن والإدارات الرياضية، وفهم عميق لسلوك الجمهور.
على الجانب الآخر، لا يمكن فصل المشهد الأمني عن سلوك المدرجات. الدوري السوري لكرة السلة هذا الموسم يقدم واحدة من أجمل الأجواء الجماهيرية في المنطقة، من حيث الحضور والحماس والتفاعل، لكنه في المقابل يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في بعض مظاهر الاحتقان وسوء تقبل النتائج.
ما حدث في إحدى الصالات، مثل حالات رمي المقذوفات والممارسات غير الرياضية بعد الخسارة أو الأداء غير المرضي، يعكس خللاً في ثقافة التشجيع قبل أن يكون مجرد حادث عابر. فالتشجيع الحقيقي ليس في لحظة الانتصار فقط، بل في القدرة على تقبل الخسارة بروح رياضية تحافظ على قيمة اللعبة وتطورها.
إن استمرار مثل هذه السلوكيات يهدد بتحويل الشغف الجماهيري من عنصر بناء إلى عامل ضغط وتخريب، ويضع الرياضة أمام تحدٍ مزدوج: تطوير أدوات الأمن من جهة، وبناء ثقافة جماهيرية ناضجة من جهة أخرى.
في النهاية، تبقى الرياضة مساحة يفترض أن تجمع لا أن تفرّق، وأن تعكس أجمل ما في المجتمعات من انضباط وشغف واحترام متبادل.
وبين تطوير المنظومة الأمنية، ورفع وعي الجمهور، يمكن للرياضة أن تعود إلى مسارها الطبيعي كقيمة حضارية قبل أن تكون مجرد منافسة على النتائج.