الأغلى… في اللحظة الأحلى

كان كلُّ شيء في حمص يَعدُ بإطلالة عيدٍ في ذلك المساء الجميل يوم الأربعاء الثامن من تشرين الثاني 2006, لبسنا ثوب الانتظار نهجّي اللهفةَ نبضةً نبضةً, هل سيشرّفنا السيّد الرئيس بشار الأسد في هذه المناسبة الغالية من مناسباتنا الكروية?

fiogf49gjkf0d


اعتدنا ألا يخيب رجاؤنا ولم يخب…‏


الشمس تشرق من جديد وليل حمص يلبس نور ألف قمر… السيد الرئيس بشار الأسد ها هنا, إنّه يحييني ويحييك, وابتسامته النابضة بالأمل تمتدّ لتمسح البرد من أعماق كلّ القلوب في ملعب خالد بن الوليد…‏


شيءٌ ما كان يتغيّر فينا كلّما اقترب موعد مباراة الكرامة مع منافسه جونبوك الكوري الجنوبي على لقب الزعامة الآسيوية, شعرنا وكأنّ أبجدية الرياضة السورية تذهب نحو فتحٍ جديد, والحروف القديمة التي نظمنا على وقعها العتابا والميجنا تحوّلت إلى تربةٍ خصبة نبتت فوقها أغنيتنا الجديدة التي نظمتها لحظة الفرح تلك, وسقتها الأنظار المتجهة إليك يا سيدي الرئيس, فأُحطنا وأُحيط الوطن من أقصاه لأقصاه بحبّك وبقربك من همسنا ونبضنا…‏



جلستَ وما في المكان إلا الحبّ يتزاحم في الطريق إليك, رنوتَ وما غير المحبّين أمام ناظريك, تلفّتَ فإذا الوطن كله يأتي إليك بضحكة طفل فرح لما رآك…‏


يا سيّدي الرئيس:‏


كم تمنّيتُ لو عدتُ لاعباً أحظى بشرف اللعب أمام حضرتك, وأحظى بشرف مصافحتك بعد نهاية المباراة…‏


كم تمنّيتُ لو كان المكان المخصص لنا نحن الإعلاميين أقرب إليك ولو سنتيمتر إضافياً, وكم فاتني من متابعة المباراة وأنا أراقب عن بعد تفاعلك الصادق مع نسرنا الأزرق في أرض الملعب!‏


في الطريق إلى حمص سكبنا الدعوات في اتجاهين, أن يوفّق الله فريق الكرامة وينال لقب بطولة أندية آسيا والثاني أن تتحول أمنية حضور السيد الرئيس لهذه المباراة إلى حقيقة فحضر السيد الرئيس وكان الكرامة بطلاً تُوّج بثناء السيد الرئيس للاعبيه ومصافحته لهم وبالأداء الطيّب الذي قدّمه وبرضى جمهوره عليه..‏


في المباراة!‏


أضاع فريق الكرامة لقباً آسيوياً كان قريباً منه في لحظة شرود يُسأَل عليها بالدرجة الأولى المدافع أنس الخوجة الذي رافق كرة الهدف من منتصف الملعب إلى أن عُكست إلى رأس زي كارلو وهنا يتحوّل السؤال إلى البرازيلي فابيو الذي كان عليه قطع الماء والهواء عن مواطنه وبدرجة أقلّ الحارس مصعب بلحوس الذي لم يخرج إلى الكرة بفدائيته المعهودة ليطبق الصمت على حمص بأكملها وكأنها تحوّلت إلى قرية هاجر أهلها…‏


بدأنا بهدوء, جاءت الفرصة من قدم مهند إبراهيم لكنه أصرّ أن يسجّل بنفسه مع أنّ تمريرها لجهاد الحسين كان هو الأضمن, ضاعت فرصة وانطلقت آه وانتظرنا الشوط الثاني فجاء كما تصوّرنا, سجّل إياد مندو وسجّل مهند إبراهيم ووقع ما خفنا منه واهتزّت شباك البلحوس ومع هذا الاهتزاز طار اللقب إلى كوريا…‏


زعلنا لأنه كان بالإمكان أفضل مما كان, زعلنا لأن اللقمة وصلت إلى الفم ثمّ تبخّرت, زعلنا لأن الذين لم يجدوا لأنفسهم مكاناً على مدرجات ملعب خالد بن الوليد أكثر من الذين حضروا المباراة, وزعلنا من خوفنا أن ينسى البعض تعب واجتهاد فريق الكرامة خلال رحلته الطويلة والشاقة بلحظة واحدة..‏


المشهد الأحلى‏


المشاهد الحلوة في المباراة الحلم كانت كثيرة ولكن أجملها على الإطلاق هو حضور السيد الرئيس للمباراة وتتويجه للفائزين والموقف الكبير لجمهورنا الذوّاق الذي واسى فريق الكرامة ولم يصادر فرحة الكوريين باللقب بل على العكس صفّق لهم وحيّاهم على طريقته..‏


والمشهد الأقسى!‏


لا أحبّ أن أتذكّر تلك اللحظات الكئيبة التي قضيتها في غرفة مشالح اللاعبين بعد انتهاء المباراة..‏


إياد مندو في ما يشبه الغيبوبة.. عبد القادر الرفاعي كلّما مسح دمعة هطل شلال.. جهاد الحسين ينتحب وكأنه فارق عزيزاً حميماً… عاطف جنيات يقسو على نفسه وكأنه هو السبب في إضاعة اللقب… مهند إبراهيم أقلّ حجماً من دمعته.. سفير أتاسي يلطم وجهه ويكوي مجرى الدمع بدمعته… البلحوس احمرّت عيناه من فيضها.. أنس الخوجة شارد الذهن وكأنه يقول أنا السبب.. بلال عبد الدايم.. حسان عباس .. حيان الحموي.. العكاري.. الحافظ.. العميّر.. الطيارة.. المعلول.. عدي… السليمان.. فابيو.. من ذكرتُ ومن لم أذكر عاشوا مرارة الألم… حتى العميد قائد سرية حفظ النظام لم أستطع أن أهدّأ من روعه وأطلق العنان لبحّة حنجرته المحشرجة بالأسى… الحموية يخفف من روع اللاعبين وهو بحاجة لمن يخفّف عنه.. عبد الحميد الحسن لأول مرّة أراه يبكي.. بسام جرايحي سكت الكلام في حلقه.. عامر حموية يقول متنهداً ومتحسّراً: الحمد لله…الخ‏


كان صعباً عليَ أن أفارق فرسان الكرامة وزعماء الكرة الآسيوية وهم على هذه الدرجة من الانكسار لكن رحلة العودة إلى دمشق أعلنت البداية التي اجترّت تلك التفاصيل طوال الطريق…‏


أبطال آسيا الحقيقيون‏


ليكتب الاتحاد الآسيوي في أرشيفه ما يحلو له, سنكتب في ذاكرتنا أنه في الثامن من تشرين الثاني عام 2006 وفي سهرة أربعاء حمصية زُفّ فريق الكرامة زعيماً جديداً للكرة الآسيوية بفوزه على جونبوك الكوري الجنوبي (2-1) أمام حوالي عشرين مليون مواطن سوري وفي مقدمتهم السيد الرئيس بشار الأسد فكان العيد عيدين: الأول حضور حبيب الملايين لهذا العرس والثاني فرحتنا بإنجاز فريق الكرامة..‏

المزيد..